تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حضرة الأستاذ محرر المكشوف

أقدم إليك أصدق الشوق إلى لقائك، فإن اللحظات التي قضيتها عندك لم تكن كافية للتعرف إلى أدبك ولطفك، وأعتذر عن الجواب الذي يفصل ما أجملته في الكلمة التي نشرتها بمجلة «الرسالة» عن غرام مي بالرافعي، وهو الغرام الذي تخيله أو ادعاه حضرة الأستاذ سعيد العريان.

وأنت تعرف أني لا أبالي المعارك القلمية، ولكن موقفي في هذه المسألة دقيق، لأني قد أتهم الرافعي - رحمه الله - بالتزيد وسوء الأدب، إن صحت رواية العريان، وكان للرافعي أن يحب من يشاء، ولكن القول بأن مي أحبته وأغرمت به وتهافتت عليه، كلام لا يقول به إلا إنسان مخبول.

بقى الكلام عن سرائر مي وكانت لها سرائر من الحب الدفين، فهل ترى من الذوق، يا سيد فؤاد، أن نفصح عن هذه السرائر تلبية لما سميته أنت رغبة الأوساط الأدبية؟

لقد حدثتمونا أن مي لا تزال صحيحة، فلتعرف في صحتها المنشودة أن في الدنيا أصدقاء نبلاء يبغضون اللغو والفضول.

اعذرني أيها الصديق، إذا طويت ما أعرف من شؤون الآنسة مي، وقد صحبتها أربع سنين في الجامعة المصرية يوم كانت أطيب من العطر، وأرق من الأملود المطلول.

وغضبة الله على الأدب والأدباء إذا استطاعت الألسنة أن تمضغ ذلك العرض النبيل!

أيها الزميل

أرجو أن تذكر أن الذي كتب ذلك الكلام هو أديب عريان، وبعض أهل العري لا يستحون!

هذا، ولا يفوتني أن أشكر من أنطقوني بما لم أقل يوم مررت على بيروت، وكان اختراعهم فرصة لمناوشة الأقلام على صفحات «المكشوف» فقديما قيل:

هنيئا مريئا غير داء مخامر

لعزة من أعراضنا ما استحلت

جعل الله بلادكم من حصون اللغة العربية أبد الآبدين، وتقبل تحية المشتاق إليك وإلى إخوانك المحررين في مجلة «المكشوف».

الفصل الثاني والثلاثون

| غزال يترنح في شوارع بغداد

صديقي

هاك القصة الآتية:

استأنفت أعمالي بالأمس في الساعة الخامسة بعد الظهر، وما زلت أدرس وأراجع حتى رأيتني في الساعة الثانية بعد نصف الليل فهالني الأمر، لأني قضيت تسع ساعات في نفس واحد، وأسرعت فأويت إلى فراشي، ولكني استيقظت قبل الشروق، فعدت إلى العمل من جديد، وظللت كذلك حتى الظهر، فلم يكن بد من الطواف على شاطئ دجلة لأريح أعصابي، فكانت تمر السيارات فيسلم علي راكبوها بدون أن أعرفهم فأقول في نفسي: هؤلاء أهل ليلى المريضة في العراق.

وفي رجوعي إلى البيت رأيت رجلا يقود غزالا في شارع الرشيد غزالا وحشيا من سكان الصحراء، فاستوقفت الرجل.

وقلت: يا عمي، بكم تبيع هذا الغزال؟ فقال: تريد كلمة واحدة؟ فقلت: نعم! فقال: ثمنه ثلث دينار، فاستصغرت الثمن وتجاهلت كلمته. ثم قلت: ثمنه دينار؟ فقال: نعم، ثمنه دينار.

فمددت يدي إلى الغزال لأرى عينيه فقد طال عهدي بعيون الظباء، ولكن الغزال كان يرتعد من الخوف، وهي أول مرة تخافني فيها الظباء!

ولم تمض لحظة حتى اجتمع من حولنا الناس، وكان في نيتي أن أشتري ذلك الغزال، ثم تذكرت أن الظباء تأكل حب القلوب، وتذكرت أن قلبي لم تبق منه بقية يعيش منها الظباء.

ولاحظ الرجل ترددي، فقال: إن هذا الغزال لا يشرد أبدا، فهو يترك في حوش البيت بلا خوف.

وعندئذ وجدت الفرصة للتخلص فوضعت فمي على أذن الرجل، وقلت: (أنا أعرف يا عمي أنك مستعد لبيع هذا الغزال بثلث دينار، وهذا المبلغ لا يضايقني، ولكني أحب لك الخير وأرجو أن تبيعه لغيري بدينارين، أنت قلت إنه غزال لا يشرد، لتجذب إليه الراغبين، والأصلح لك يا عمي أن تقول إنه غزال شرود لترتفع قيمته في أعين الراغبين).

وما كدت أنفجه بهذه النصيحة حتى مضى وهو يصيح: غزال شرود لا يقيم على عهد، ثمنه عشرون دينارا فقط، فأين من يعرف قيمة الظبي الشرود!!

الفصل الثالث والثلاثون

| أسئلة أدبية

موجهة إلى أستاذ الأدب العربي في دار المعلمين العالية بالعراق

وحي بغداد · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي بغدادص ٥٣