فقلت: هو يحاول منذ سنين أن يخلق لي صداقات كريمة تصدني عن متابعة الإنتاج الأدبي، وأخشى أن يكون كرمك من عقابيل تلك الدسائس، وكانت فكاهة غمرت المجلس بالضحك، وساعدتني على الخلاص. •••
وفي السيارة تحدث الرفيق الموصلي. قال: يظهر أنك مصمم على العودة إلى منزلك. - نعم، وهل في هذا شك؟ - ولكن الساعة العاشرة لم تحن، وأنت وعدت بأن نظل معا إلى الساعة العاشرة. - أعفني يا صديقي، فأنا أشغل مطبعتين في بغداد، وسيطرقون بابي مع الشروق، ليقدموا التجارب ويطلبوا الأصول. - تذكر أني راحل إلى الموصل. - ألم أقل إني سأزورك في الموصل؟ - أنا لا أضمن ذلك، وتكفيني ساعة واحدة في صحبتك، من التاسعة إلى العاشرة. - ألم تسمع حكاية العالم مع الأمير؟ - وكيف كان ذلك؟ - زعموا أن عالما دخل على أحد الأمراء فدعاه الأمير إلى المنادمة، فقال العالم: إنما وصلت إلى مولاي بالعقل، فأنا أكره ما يذهب العقل، وأنا يا صديقي لم أصل إلى مسامع أهل العراق إلا بالمحافظة على الوقت، فأنا أكره ما يضيع الوقت، ولولا هذه المزية لما أمكن أن أكون من كبار المؤلفين. - هي ساعة واحدة تكرم بها أدبيا يعشق أدبك، ثم تعود فتخلو إلى قلمك كيف شئت. •••
وكانت لحظة دار فيها رأسي فتذكرت ما كتبت عن أدب الأخوة في كتاب التصوف الإسلامي، وتذكرت الحكيم الذي قال: «إذا قلت لصاحبك: هلم بنا، فقال: إلى أين؟ فليس بصاحب». فقلت: لك يا صديقي ما تشاء، على شرط واحد. - ما هو؟ - أن نفترق في الساعة العاشرة. - وهو كذلك، ولك الفضل.
دخلنا في فندق، فلم نر فيه مكانا خاليا فذهبنا إلى فندق، فرأيناه أشبه بسفينة نوح، فمضينا إلى فندق، فرأيته لا يليق برجل يشتغل بالتدريس، والمدرس مسئول عن كرامته ولا يليق به أبدا أن يدخل مكانا تحيط به شبهات. - واعترض رفيقي فقال: هذه ليلة أنس يباح فيها مالا يباح. - فقلت: هي ليلة عيد في قصر جلالة الملك، ولكن يغلب على ظني أن الملوك لا يعرفون الأعياد، ومن يدريك فلعل جلالة الملك في هذه اللحظة مشغول بتدبير بعض الشؤون.
فتضجر رفيقي وقال: ولكن الملك يسره أن يفرح الشعب في ليلة عيد. - فقلت: ولكن يسره أيضا أن يعرف أن شعبه لا ينسى كرامته في ليالي الأعياد. - سمعت أن الملك فؤاد كان يترك ضيوفه أحرارا في سهرات قصر عابدين، ويكتفي هو بشراب الليمون. - ولو أنهم تأدبوا بأدبه فاكتفوا بشراب الليمون لكانوا إلى قلبه أحب وأقرب. - أنت رجل مزعج يا دكتور! - لست بمزعج، وإنما أحب أن أرجع إلى قلمي وكتابي. •••
وانتهى بنا المطاف إلى فندق يغلب عليه التجمل، إن كان للتجمل مكان بين أكواب الصهباء، جلس رفيقي وجلست بالقرب من جماعة يسكرون ويعربدون، جلست وأنا متهيب، وجلس رفيقي وهو متهيب، أما أنا فتهيبت لأن هذه الجماعة تعرفني، وربما كان أحدهم أبا أو عما أو خالا لأحد تلاميذي، وأنا مسئول عن كرامتي أمام هؤلاء الناس، وأما رفيقي فتهيب لأن هذه الجماعة بها ثلاثة هو لهم رئيس، وأخذت أدرس الوجوه والشمائل والخصال لأصحح أغلاطي في فهم الأدب العربي، وهنا أصرح بأن الدراسات الفلسفية لا تطيب لي إلا في مدينتين اثنتين: باريس وبغداد.
أما باريس فأمرها معروف، لأن جميع الوجوه هناك كانت مألوفة لدي، لأني رأيت صورها في مؤلفات المبدعين من أقطاب الأدب الفرنسي. وأما بغداد فإني أرى فيها صور الرجال الذين أولعت بدراسة آثارهم العلمية والأدبية والفلسفية منذ أعوال طوال.
أما القاهرة فليس فيها وجه رأيت صورته في كتاب، لأن أدباء القاهرة فلاسفة عظام لا تراهم إلا في مكانين: بغداد في العصر العباسي، وباريس في العصر المنصرم، أو طلائع العصر الحديث، وربما تظرف فريق منهم فحدثونا عن أدب اليونان والرومان.
ثم يقول الرفيق الموصلي: الساعة صارت عشرة يا دكتور!