تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأخرج ساعتي من جيبي فإذا هي 11.

فأقول: بقى وقت ... ثم أعود إلى درس الوجوه من جديد، هذا هو الشعب العراقي، الشعب الطروب الذي لا يشغله الجد عن اللعب، ولا يصرفه اللعب عن الجد.

هذا هو الشعب الذي طال عهده بكفاح الأيام والخطوب ثم بقيت عنده ذخيرة من الابتسام. ثم أخذ السامرون يغنون، والعراقي إذا طرب غني فأجاد الغناء، ولم تقع في أغانيهم كلمة بذيئة، ولم تنفرج شفاههم عن كلمة فيها رائحة الفحش، ولم يتوهم أحد أن المجلس قد يقع فيه ما ينافي الذوق، هذا هو الشعب العراقي، وتلك شمائله وسجاياه.

فإن وقع منه ما يؤذيك فتذكر أن مياه الأنهار قد تقع فيها أحيانا أقذاء، وتذكر أن البدر لا يخلو من كلف، وتذكر أن الأزهار قد تحيط بها أشواك، ثم تذكر أن الحياة فيها الشهد والصاب. •••

يقع هذا ورفيقي متجمل متهيب، ولكنه يخرج فجأة عن وقاره ويغني:

فيك ناس يا ليل بيشكو لك مواجعهم

بالله يا ليل ما تبقاش تواجعهم

أجريت يا ليل على الخدين مدامعهم

باتوا حيارى بطول الليل سهرانين

ياخوفي يا ليل من طول المدى معهم

فأخرج علبة السجائر وأكتب فوقها هذا الموال، ثم أتذكر أني كنت سمعته من رجل جالس متربع فوق جسر أبو العلا منذ سنين، وكأني سمعته بالأمس فقد كان المغني «ابن بلد» وكانت سيماه تشهد بأنه ذاق طعم الصبايا في بولاق، وأنه اكتوى بنيران العشق، وقاسى لواعج الأشواق، ثم يثب الخيال إلى آفاق بعيدة جدا، فينتقل من بغداد إلى بولاق ومن بولاق إلى باريس، فأتذكر أني كنت أعطف أشد العطف على الدكتور الديواني مدير البعثة المصرية في باريس لسبب واحد هو أنه من مواليد بولاق، بولاق العظيمة التي صنعت المدافع لتحارب بونابارت، والتي سمعت على جسرها في ليلة صيف:

لك ناس يا ليل بيشكولك مواجعهم

وقد تفضلت على الدكتور الديواني فقصصت عليه هذا الحديث في سهرة من سهرات باريس في سنة 1928.

ثم يقع ما هو أعجب: ذلك بأن أحد المعربدين يحسب الرفيق الموصلي فتى مصريا، لأنه يغني موالا مصريا، فيقبل عليه، ويقول: نحن في العراق أربعة ملايين وعندنا قوة جوية، وأنتم في مصر ثمانية عشر مليونا ولا تملكون قوة جوية تناسب عظمة مصر.

فأعرف أن أهل العراق لا يفكرون في غير الحرب والقتال، ويضحك رفيقي ويقول: ألا ترى كيف رآني العراقيون مصريا؟ فأجيب: والأغرب أن يروا سكان مصر ثمانية عشر مليونا، ويتدخل ذلك المعربد فيقول: إن سكان مصر في الواقع يبلغون خمسة وعشرين مليونا.

فأقول: أفصح يا أخا العراق.

فيقول: إنما أعني سكان مصر والسودان.

آه آه آه

إن جنود العراق يذكروننا بالسودان، ولكن أين من يسمع؟ •••

ثم يقول الرفيق الموصلي: الساعة صارت عشر يا دكتور.

فأخرج ساعتي مني جيبي فإذا هي 12.

فأقول: بقى وقت.

فيقول: مطابع بغداد تنتظرك.

فأقول: أنا لها، أنا لها، لأني أستثقل النوم في الليل ، وهل جئت إلى بغداد لأعرف فيها طعم النوم في الليل؟

ثم نخرج لنعود إلى منازلنا، فيقترح الرفيق الموصلي أن نطوف ببعض الملاهي، فأقول: لا بأس، فهذه ليلة عيد، وما أقل الأعياد في حياتي! وفي ملهى لا أسميه أرى صديقا عذب الروح وفي يده كأس ويدعوني إلى منادمته، فأرفض لأني سكرت من كأس أحزاني، ثم تقبل فتاة ندية الجسم كأنها من دمياط، فتدعوني إلى الرقص، فأرفض أن أرقص، لأني راقصت أشجاني. •••

ويقول الرفيق الموصلي: الساعة صارت عشرة يا دكتور، فأخرج ساعتي من جيبي؛ فإذا هي الثالثة بعد نصف الليل، فأصرخ: نعم، الساعة صارت عشرة! صحيح، الساعة صارت عشرة! مؤكد، مؤكد، الساعة صارت عشرة! ثم نخرج؛ ويجري هذا الحوار في الطريق: - هل أستطيع أن أخبر أهل الموصل أني قد قضيت نحو تسع ساعات في صحبة الدكتور زكي مبارك؟ - حدث أهل الموصل عني بما شئت فهم إخوان أعزاء. - ولكن أدباء الموصل سيسألون عن أسباب النجاح الذي ظفر به الدكتور زكي مبارك في حياته الأدبية. - قل لهم إن زكي مبارك نجح في حياته الأدبية لأنه رجل يؤمن بأن رزقه بيد الله لا بيد الناس. - ثم؟ - ونجح في حياته الأدبية لأنه يعشق الصدق، ويبغض الرياء. - ثم؟ - لأنه يبذل دمه في سبيل الوفاء. - ثم؟ - لأنه لم يقدم أية إساءة إلى أي مخلوق، وكان أصدقاؤه يكتبون له بأيديهم صحيفة الاتهام. - ثم؟ - لأنه أحب كل بلد عاش فيه، فعشق سنتريس والقاهرة وباريس وبغداد. - ثم؟ - قل لأهل الموصل إن زكي مبارك نجح في حياته الأدبية لأن اسمه زكي مبارك.

وحي بغداد · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي بغدادص ٤٥