فقلت: حبا وكرامة! وخرجنا فجلسنا في أحد الفنادق نحو نصف ساعة، ثم استأذنت.
وسأل الرفيقان: متى نلتقي؟
فقلت: بعد شهر!
فقال الزائر الكريم: إني لن أقضي غير أسبوع واحد في بغداد.
فقلت: سأزورك في الموصل!
فقال: أراك تهرب مني!
فقلت: لا أهرب، ولكني مشغول.
وبعد ثلاث ليال سمعت طارقا يناديني، فنظرت فإذا هو أديب الموصل، فاستقبلته وأنا متضجر متأنف، ولكنه ظنني أمزح، كأنه استكثر أن ألقى الضيف بالتضجر والتأنف، فتتشجعت وقلت: إنني أحرم نفسي من إخواني في العراق، وأعتكف في المنزل لأتمم كتاب «عبقرية الشريف الرضي».
فقال: ولكن نحن على موعد مع الصديق (ع).
فقلت: ما أظننا على موعد.
فقال: هو ينتظرك.
فقلت: هذا بعيد!
فقال: ولكن لا بد على أي حال من الخروج للسهر في هذه الليلة.
فقلت: هذا مستحيل؛ لأن كتابي أعز علي منك.
فاتبسم وقال: ولكن الليلة عيد ميلاد صاحب الجلالة ملك العراق.
فقلت: أحسنت إذ نبهتني إلى ذلك، فمن الذوق أن أشارككم في الأفراح، ولكن اسمع يا صديقي: نحن في الساعة السابعة، وقد شرعت في كتابة بحث مهم جدا، ويؤذيني أن أخرج الآن، فارجع إلي في الساعة العاشرة، وسأكون في صحبتك إلى نصف الليل.
فقال: وأنا أقترح أن نخرج الآن، ثم تعود في الساعة العاشرة لتخلو إلى عملك ما طاب لك.
فقلت: هذا حل موفق، وقدمت إليه جملة من المجلات المصرية ليتلهى بها حتى أستعد للخروج. •••
خرجت في صحبة الزائر الكريم وأنا متضجر متأنف، ولم يهن الأمر على نفسي إلا حين خطر بالبال أن بكائي سيطول على الصحة التي أنفق منها بلا حساب في سبيل الأدب، فأنا أشتغل في كل يوم أكثر من سبع عشرة ساعة، وجبال الكحل تفنيها المراود، وهيهات أن تبقى صحتي مع هذا الكدح المخيف، وأخشى ألا أظفر بكلمة رثاء يوم يشيعني الناس إلى قبري، فذاكرة بني آدم ضعيفة جدا، وهم لا يذكرون إلا من يؤذيهم، أما الذي يخدمهم ويشقى في سبيلهم فلا يذكره أحد منهم بالخير إلا وفي كلامه نبرة تشير إلى أنه يتصدق بكلمة المعروف، عفا الله عنكم يا بني آدم وعفا عني!
خرجنا فمضينا إلى منزل الصديق فرأيناه يسمر مع زوجته، ولم يكن ينتظرنا كما زعم صاحبي، ولكنه مع ذلك جرى على الفطرة العراقية فاسقبلنا أكرم استقبال، وتلطفت الزوجة الكريمة فأحضرت فناجين القهوة والشاي، وبعض الطيبات من الفاكهة والحلوء.
أما الصاحب الموصلي فأخذ يتلهى بالخطاب الموجه إلى ليلى المريضة في الزمالك على صفحات الصباح، وأما الصديق البغدادي فشاركني في متابعة الأغاني التي يجلجل بها المذياع، ودار صوت من أصوات أم كلثوم فكدت أبكي، ثم ابتسمت فجأة حين تذكرت أنه لا بد من انتهاب قبلة أو قبلتين من أم كلثوم يوم أعود، وهل تستطيع أم كلثوم أن تفر من يدي؟ هيهات هيهات!
وانقطعت الأغاني وشرع طبيب يتكلم عن العناية بصحة الطفل، فقام صاحب البيت وأغلق المذياع بعنف. - فقلت: ما هذا الحمق؟ - فقال في ألم موجع: إن هذا الطبيب هو الذي قتل طفلي، ومد يده إلى الحائط فأنزل لوحة فيها صورة طفل يشبه أدونيس ابن أفروديت، وجريت على عادتي في درس الوجوه والعقول والقلوب، فرأيت الزوجة تتطلع إلى صورة الطفل وهي في مثل حال الظبية المروعة التي اختطف الأسد رشأها منذ لحظة أو لحظتين.
ثم تغير حالي أشد التغير، وغلبني الحزن، وتذكرت الدواء الناجع الذي ينقذني من أحزاني، وهو دواء مركب من ثلاثة عناصر هي: الكتاب والقلم والقرطاس، فجريت إلى معطفي ألبسه لأخرج، فنظرت الزوجة نظرة تلطف، وقالت: هذا منزلك يا دكتور، فما الذي أزعجك؟
ثم وقف في وجهي صاحب البيت، وهو يقول: لن تخرج، لن تخرج، ورأيت موقفي صار سخيفا جدا. - فقلت: اسمع يا صديقي، أنا أخشى أن تكون دسيسة من دسائس الدكتور طه حسين!
فضحك، وقال: وهل للدكتور طه حسين دسائس؟