لقد ذهب ابني سليمان منذ أعوام إلى جريدة البلاغ لينشر بعض اختباراته في اللاسلكي فرحبت به الجريدة، ولكني تدخلت لوقف مقالاته، فكيف جاز أن تشجعه في غيبتي؟ أنا يا صديقي أبغض هذا النوع من التشجيع.
إن هذا الشاب يريد أن يتشبه بأبيه، ولكن في أي باب؟ إنه يريد أن ينشر مقالات وأقاصيص في الصحف والمجلات كما يصنع أبوه، فهل يعرف هذا الشاب المفتون أن أباه أحرز خمس شهادات عالية أصغرها شهادة الليسانس في العلوم الفلسفية والأدبية؟
وهل نسى هذا الشاب المفتون أنه رسب في البكالوريا وهو يعيدها وقد يكون الجري وراء الشهرة الكاذبة سببا في أن يرسب مرة ثانية؟
قد يراجعني هذا الشاب فيقول: وأنت أيضا يا أبت رسبت في امتحانات الليسانس مرتين!!
وهذا حق، ولكن اللجنة التي أسقطتني مرتين في امتحانات الليسانس كانت مؤلفة من إسماعيل رأفت ومنصور فهمي وطه حسين.
فمتى يكون من حظك أيها الشاب المفتون أن تسقط في امتحانات الليسانس أمام لجنة مؤلفة من أمثال هؤلاء الرجال؟
ومتى يكون حظك أن تظفر بإجازة الليسانس كما ظفر أبوك وهي مذيلة بأسماء كهذه الأسماء؟
إن هذا الشاب عمل بالمثل الذي يقول: «غاب القط فالعب يا فار» فهو قد انتهز غيبتي بالعراق وأهمل دروسه ومضى يركض بين المطابع لينشر كتابا في اللاسلكي، ولو كان من أصحاب القلوب لعرف أني أقوم مفزوعا من نومي في كل ليلة، لأني لا آوى إلى فراشي إلا وأنا مشغول البال عليه، فمن أي الصخور صيغ قلب هذا الشاب المفتون؟
صديقي
ما كنت أحب أن ينشر مثل هذا في جريدتك لولا يقيني بأنه يحارب نزعة خبيثة يعانيها الشبان في هذه الأيام، وقد يكون في قرائك من يعاني من الألم بعض ما أعاني، فالذين في مثل حالي يتمنون أن يكون لهم أبناء نجباء، وأنا أخشى أن يخونني الحظ فيكون أبنائي غير نجباء.
كنت أتمنى أن يصنع أبنائي بعض ما صنعت مع أبي، فما أذكر أن أبى بات ليلة وهو مؤرق الجفن بسببي، وقد هتف باسمي مئات المرات وهو على فراش الموت.
أما بعد، فقد هذبت ألوفا من التلاميذ، وأدخلت النور على ملايين العقول في المشرقين والمغربين، وأنا مع ذلك أتشهى أن يكون لي من صلبي ولد نجيب.
فإن صح رجائي في بعض أبنائي أو في جميع أبنائي فتلك نعمة من الله، وإن خاب رجائي في بعض أبنائي أو في جميع أبنائي فتلك أيضا نعمة من الله.
ألم يجرب الله إيماني فابتلاني بأخطر الأرزاء والخطوب؟
لقد طوفت بالشرق والغرب في الدفاع عن لغة القرآن.
لقد ابتدعت مئات الأقاصيص لأحبب الناس في لغة القرآن.
لقد تفردت بالزهد في الوصولية لأقيم الشاهد على أن الواثق بربه لا يضيع.
لقد وفيت لكل من عرفت لأخلق لوطني أصدقاء، فقد كنت أسمع أن حب الوطن من الإيمان.
لقد أدخلت البهجة على جميع ما عرفت من القلوب، فكيف يصل الحزن إلى قلبي عن طريق بعض الإخوان أو بعض الأبناء؟
رباه!
أنت تعلم كيف خلقتني، وكيف سويتني، فاكتبني عندك من الشهداء.
الفصل الخامس والعشرون
| الساعة صارت عشرة!
صديقي
إن الساعة صارت عشرة.
ألا تصدق أن الساعة صارت عشرة؟
إن كنت في ريب من ذلك فاسمع هذا الحديث:
كان سعادة وزير إيران المفوض في العراق تفضل فدعاني لحضور الاحتفال بعيد ميلاد صاحب الجلالة ملك إيران، فقهرت نفسي على الخروج من عزلتي لأجيب هذه الدعوة الكريمة، وقضيت هناك نحو ساعة أنست فيها بمحادثة فريق من كرام الرجال، وعند عودتي إلى المنزل رأيت رجلين ينتظرانني بالباب: أحدهما صديق عزيز، وثانيهما زائر كريم.
فالتفت إلى الصديق، وقلت: من أتى بك؟ ألم أقل لك أكثر من عشرين مرة إني لا أحب أن يزورني أحد؟ ألم أنشر في الجرائد مرات ومرات أن وقتي لا يتسع للزيارات؟
فتبسم الصديق، وقال: لطفا، لطفا، فما جئت إلا بالرغم مني، وصاحبي هذا قدم من الموصل، ورجاني أن أدله على بيتك ليراك، ودخلنا فجلسنا لحظة، وأنا على جانب من سوء الخلق لأني كنت أحب أن أخلو إلى القلم والقرطاس، ولكن الزائر الكريم ظنني أمزح فاحتمل سوء خلقي، ثم اقترح الصديق أن نخرج فنقضى لحظة في أحد الأندية فاعتذرت. فقال: راع حق الموصل.