وقد يدهش الكثيرون إذا عرفوا أن أبي مع قوته وجبروته رجل كله كتلة من الإخلاص والوفاء والكرم، فطالما ظللنا بسحائب العطف وسقانا أكواب الشهد وغمرنا بكرمه وحنانه، وأقسم صادقا أن أبي لم يجرح إحساسي مرة واحدة في حياتي وإن كنت مخطئا؛ بل كان يعاملنا معاملة تدل على حسن التصرف وبعد النظر، فهو يدفعنا إلى بحر الحياة لنجرب حلوها ومرها، ثم يراقب أعمالنا عن بعد، فإن أخطأ أحدنا أعاده إلى الصواب بكل شفقة ورأفة قائلا: «أنا لا أرضى لكم بغير التفوق المطلق؛ لأن الرجل والمتسط لا يستطيع العيش في العصر الحديث»، وكان لهذه التربية أثرها في أنفسنا، فأنا لا أذكر يوما عبث فيه أخي الصغير في حضرة أبي مع أن أبي يعامله معاملة كلها عطف وحب وإخلاص، ويخيل إلي أن هذه الطريقة من طرق التربية تبعث في نفس الطفل أصدق آيات الإخلاص والولاء لأبيه، وأروع صور الوفاء لوالديه، وتعوده الاعتماد على النفس والشعور بالشخصية.
وقد راضنا أبي كذلك على العمل وهو رجل عمل بمعنى الكلمة فقد يقضي في أيام فراغه وفي إجازات الصيف ثلاثة أيام متواصلة لا يغادر خلالها مكتبه؛ بل يظل ساهرا ليصل الليل بالنهار في العمل والتحصيل، ولعل القارئ يوافقني على ذلك إذا اطلع على كتاب النثر الفني، ورجل هذه أخلاقه يبعث في روح أولاده حب المثابرة والكفاح بكل تأكيد. وكان من جراء ذلك أن ورثت عنه هذه العادة، فلا أكون مبالغا إذا قلت إنني كنت في التعليم الثانوي أقوم بجانب دراستي المدرسية بالكتابة في الصحف، ودراسة الهندسة اللاسلكية والكهربائية والميكانيكية بجانب الشعر والقصص والموسيقى.
وقد عودنا أبي الصبر ومواجهة الحقائق، فهو رجل قلما ييأس، وإنما يواجه الحقائق بالحقائق فلا أنسى مطلقا مساء يوم وفاة جدي رحمه الله فقد عاد أبي من سنتريس في مساء ذلك اليوم يحمل إلينا الخبر المشئوم ويبدي أسفه بقوة جبارة تغلب بها على حزن نفسه، وكبت بها عواطفه.
وقد سافر أبي إلى العراق ولا أنسى ساعة وداعه، فقد وقفت أبكي كالطفل بينما راح هو يبتسم.
وبعد فهذه صورة سريعة صادقة عن أبي رجل التربية، فإليه وحده أبعث بأصدق تحية، وإليه أرفع آيات الحب والإخلاص.
ابنه الوفي
سليمان زكي مبارك
2
صديقي
لقد شاء لك وفاؤك أن تمتعني بخطاب خاص تبدد به ما في صدري من ظلمات، وكأنك لم تكتف بالأفراح التي يذيعها الصباح يوم وصوله إلى بغداد.
وقلت في خطابك:
أهنئك بأن لك خليفة في الأدب والعلم والذوق والأسلوب الإدراك هو سليمان زكي مبارك.
فهل تدري أيها الصديق أن هذا الخطاب أزعجني؟
هل تعلم أنه ساءني أن أعرف أنك ستنشر له كلمة عني؟
أنا أشهد غير مخدوع ولا مفتون أن هذا الشاب عنده بوارق من الفكر والذكاء، ولكني أنظر إلى مصيره نظر الخوف والجزع، لأنه يسارع إلى الشهرة كما يصنع أكثر الشبان في هذا الجيل، والشهرة المبكرة تفتن الشباب أشنع الفتون، وتصرفهم عن التخلق بأخلاق الأبطال.
فإن كنت في ريب من ذلك فتذكر أن في مصر شبانا تعجلوا الوصول إلى الشهرة فوصلوا إليها قبل الأوان، ولكنهم سيعيشون أطفالا ويموتون أطفالا، وسيكون مصيرهم مصير الصحفي الذي اشتغل بالتحرير في الجرائد المصرية أربعين سنة ثم مات قبل أن يشهد القراء بأنه صار من الكتاب.
وكان عندك في جريدة «الصباح» محرر أنقذته أنا من هذا المرض، فقد كان أخرج ديوانا شعريا منذ سنين، وطنطنت به الجرائد والمجلات، ولكني أبيت أن أشير إليه في مقالاتي بجريدة البلاغ، فلما عاتبني قلت له: لن أعرفك إلا يوم تظفر بالدبلوم من كلية التجارة، ومن حقي أن أعتز بأنني أنقذت هذا الشاب من جنون الشهرة، فكانت النتيجة أن يظفر بدرجة عالية من درجات الجامعة المصرية، ولعل من واجبي أن أتجاهل مكانته الأدبية إلى أن يصبح من رجال الاقتصاد.