تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا مسك الغرام

فإنه ظلام

أتعب الناقد نفسه في فهم هذه القطعة ولم يفهمها، وما أحسبه سيفهمها إلا بعد سنين، ولو كانت المصادر تحت يدي لأريته كيف فهمها كبار النقاد من أمثال الأستاذ عبد الكريم الكرمي أديب فلسطين.

وقد أراد حضرته أن يقارن بين هذه القطعة وبين قطعة قالها شاعر لبناني في المهجر، والموضوع مختلف ولكن الناقد لا يعرف، فطفلة المهاجر اللبناني كانت بنت ثلاث سنين، أما الطفلة التي قلت فيها قصيدتي فكانت في سن حضرة الناقد حرسه الله، فإن تفكيره يشهد بأنه ابن عشر سنين!

وبعد فماذا تريد، يا سيد فؤاد؟

أنت بين أمرين:

الأول:

أن تكون سيء النية، وهذا ما أستبعده كل الاستبعاد.

والثاني:

أن تريد أن أكون محررا في مجلة «المكشوف» بالمجان.

وأنا والله مستعد لمعاونتك فقد شقيت بالقلم كما شقيت، وأنا شديد العطف على أصحاب الصحف والمجلات وأسميهم «شهداء الأقلام» على وزن «شهداء الغرام» كتب الله لك السلامة والعافية ونجاني من مغالطاتك.

وقد نسيت أن أنص على اسم الأديب الذي نقد ديواني في «المكشوف» فلأذكر أن اسمه حليم كنعان ولو كان جنى على نفسه كما جنيت على نفسي حين قضيت عشرين سنة في الحياة الجامعية حتى ظفرت بإجازة الدكتوراه ثلاث مرات لسميته الدكتور حليم كنعان، ولكنه سخر من أن أكون «دكتورا» فليكن من واجبي أن أدعو الله أن يرحمه ما عاش من خطر الألقاب فقد كانت سبب بلائي.

والسلام عليكم، وعلى بيروت أيضا. •••

قرأت ملاحظتكم على الكتاب الذي شرعت في تأليفه عن (المجتمع العراقي) وابتسمت حين رأيتكم تعجبون ممن يحكم على الحياة العراقية بعد خمسة أشهر في بغداد.

ابتسمت لأنكم صدقتم من حكم على أدب زكي مبارك، مع أنه لم يصاحبه في بيروت غير لحظات قصيرة ضاعت بين التسليمات والتحيات.

وقديما قيل: واحدة بواحدة جزاء.

إذا كان الشاعر إلياس أبو شبكه عندكم فسلموا عليه.

وحدثني أحد أعضاء المؤتمر الطبي أن بعض المجلات في لبنان تغتابني، فإن كان ذلك صحيحا فإني أعتمد على مروءتكم في إرسال ما يكتب عني لأصحح ما فيه من أخطاء، فقد أكون في ذات نفسي برئيا مما يفترى الظالمون.

أراني الله وجوه أنصاري وخصومي بخير وعافية، والسلام.

الفصل التاسع عشر

| غريب الهوى في عيد القمر

أتذكر يا قلبي؟

أتذكر أن من الناس من يقول: (عيد الأضحى)، وأن منهم من يقول: (العيد الكبير)، وأن أهل سنتريس يقولون: (عيد القمر) كأنما عز عليهم أن يبقى القمر بلا عيد؟

ليت شعري أظل أهلي وأهلك يسمونه عيد القمر، أم تغيرت من بعدنا الأسماء؟

كان لي أهل، وكان لك أهل، يا قلبي.

أما أهلي فبخير، وإن كنت أتوجع كلما ذكرت أن أولئك الأهل خلا ناديهم من وجه أبي، وكان لك أهل يا قلبي، ولكن أخبارهم غابت عني منذ أزمان، فإن كانت عندك أخبار فحدثني عنهم، فما أحب لك أن تعيش في دنياك عيش الغريب .

لا تكتم عني شيئا يا قلبي، فما لك في الدنيا آس سواى، أما رأيت كيف كانت أحاديث الناس في هذا المساء؟ فما لقيني أحد من أعضاء المؤتمر الطبي إلا سألني عن صحة ليلى، وما أذكر أبدا أن أحدا سألني عنك! وكذلك جاز أن يسأل الناس عن صحة القاتل ويسكتوا عن فجيعة المقتول، والويل كل الويل للمغلوب. •••

إن ليالي الأعياد ترجعني إليك يا قلبي.

فهل تذكر يوم كنا طفلين، حين كان من المألوف أن يزور الناس المقابر وفي أيديهم المصابيح؟ وهل تذكر أننا سألنا مرة عن الحكمة في حمل المصابيح في الليلة المقمرة، ليلة عيد القمر؟ فكان الجواب أن الأموات يأنسون بالأضواء!

فهل تسمح بأن أحمل مصباحا في هذه الليلة، وأخرج معك لزيارة المدفون من أوطارك وأحلامك؟ ولكن أين المقابر التي دفنت فيها أوطارك وأحلامك حتى أونسها بضوء المصباح؟ أين؟! لا أين، فإني أخشى أن تكون المقادير صنعت بأحلامك ما يصنع البحر بما يدفن فيه من سرائر القلوب.

وحي بغداد · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي بغدادص ٣٥