تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حدثني أين دفنت أحلامك، فإني أعرف أنك قليل البخت في دنياك، ولو كان لك بخت لما جاز أن تبيت مشرد الأماني في ليلة عيد.

قلبي، قلبي!

يرحم الله غربتك بين القلوب.

قلبي!

أتذكر ما صنعت في سبيلك؟

لقد فررت بك من سعير الحب في القاهرة، ونقلتك إلى بغداد - دار السلام - فهل كانت بغداد يا قلبي دار السلام؟ أم كان اسمها من أسماء الأضداد؟

لقد تجهمت أبشع التجهم حين وقع البصر عليها أول مرة، واستقبلتني بوجه يتطاير منه شرر القسوة والوعورة، فقلت: لا بأس، فهي هدنة يستجم فيها قلبي، ليقوى على مناضلة العيون حين يرجع إلى القاهرة، ولكنك استوحشت وأخذت تفتش عن «عيون المها بين الرصافة والجسر» وقد انخدعت لك فتركتك ترود مراتع الغزلان وأنا آمن، فقد كنت سمعت أن بغداد لم يبق فيها للحب سامر ولا أنيس، ثم وقعت الواقعة، وأسرتك عيون المها بعد أسبوعين اثنين من قدومنا بغداد.

قلبي!

لقد كان يعز علي أن تخرج من بغداد بلا هوى، فمن الفضيحة لبغداد أن لا تكون فيها عيون ترمي فتصيب، ولكني ما كنت أحب أن أحملك جريحا محطما إلى الأنامل الرقاق التي تعبت في تضميد جروحك بين مصر الجديدة والزمالك، وما كان يخطر بالبال أن تكون دار السلام دار حرب، وأن تتألب ظباؤها على قلب أعزل كان يرجو أن لا يعرف البلاء وهو ضيف العراق.

من كان يظن أن هذه المدينة الجافية التي لا تعرف غير وصل النهار بالليل في سبيل الرزق أو المجد، من كان يظن أن مثل هذه المدينة تعيش فيها مباسم وعيون لا تتقي الله في الناس؟ من كان يظن أن ينعدم كرم الضيافة في بغداد حتى يستبيح ظباؤها انتياش قلب غير لا يملك من وسائل الدفاع غير الأنين؟

أهذا جزاء الصنع الجميل في بغداد؟

أهذا جزاء من يملأ الصحف العربية بالثناء على العراق؟

سيعود ناس إلى أوطانهم صحاح القلوب، وأعود إلى وطني بقلب ممزق لم تبق منه غير أطياف من الأشلاء.

بغداد!

لقد كاد يسفر الصبح ولم تغف عيناي، أكذلك تكون ليالي الأعياد، يا بغداد؟ ليتني أعرف أين يقيم اللصوص الذين سرقوا النوم من جفوني، ليتني أعرف أين يقيم أولئك اللصوص فأنتقم منهم أشنع انتقام بتقبيل جفونهم في غفوات الليل.

بغداد!

خذي من نومي ما تشائين، بل خذي من دمي ما تشائين، فلن أنسى ما حييت تلك المؤامرة الوجدانية، مؤامرة العيون، عيون المها، على قتلي، فإن من الشرف أن يكون المرء قتيل المها في بغداد.

إي والله! هذا الصبح يتنفس وما غفت عيناي، فهل تعرف الظباء التي كانت تعترض طريقي لتصرعني أنني لا أزال بين الأحياء؟

أنا أدعوها إلى مناضلتي مرة ثانية، وموعدنا بهو أمانة العاصمة يوم الأربعاء.

أحبابي في مصر الجديدة والزمالك

ناموا هانئين وادعين، وانهبوا ما شئتم من أحلام الأماني؛ فسأغفر لكم جريمة النسيان والعقوق.

أحبابي في بغداد!

تذكروا أن الشاعر لم يعن أحدا غيري حين قال:

وكل محب قد سلا، غير أنني

غريب الهوى، ياويح كل غريب

الفصل العشرون

| إلى ليلى المريضة في الزمالك

سيدتي

أقدم إلى قلبك النبيل أطيب التحيات وأشرف العواطف، وأشكر لك تلك الكلمة الرقيقة التي خطتها أناملك اللطاف على صفحات الصباح، فقد شرحت بها صدري وأقنعتني بأن مصر لا تزال بحمد الله معدن الذوق.

وهذه الغمزة موجهة إلى الشخص الذي تعرفين، الشخص الذي اسمه محمد ... والذي اطمأن إلى غيبتي عن مصر فأخذ يشطح وينطح على هواه، والذي اطمأن إلى أني رجل تقتله الشواغل العلمية في بغداد بحيث لا يستطيع الدفاع عن نفسه لو أراد، فهو يصول وحده ويجول.

وإذا ما خلا الجبان بأرض

طلب الطعن وحده والنزالا

ومن الغرائب أن يستعين بالدكتور سعيد عبده وأن يحتال في تأليب الأدباء على طبيب ليلى المريضة في العراق.

ولو كان خصما واحدا لاتقيته

ولكنه خصم وثان وثالث

ولكن لا بأس ففي يدي قلم أحد من السيف أؤدب به هؤلاء «الخناشير» وسوف تعلمين.

وحي بغداد · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي بغدادص ٣٦