وأنا والله غير نادم على ما اخترت لنفسي من مذاهب الحياة، ولكنني أعاني مضاضة اللوعة كلما تذكرت أن جهودي في خدمة الأدب العربي لم تجد من يحفظ الجميل.
أترك هذه الشجون وأدخل في لباب الموضوع فأقول: إن الناقد اعترض على التسمية الفرنسية للديوان لأني سميته (Poèmes Erotiques) .
ولو كان درس علم البيان في حداثته أو في صباه لعرف كيف يندرج الجزء في الكل، واكتفي بهذه الإشارة راجيا أن يعود «فيذاكر» علم البيان.
ثم وقف حضرته عند قول زكي مبارك:
أطوف بالحسن تصبيني بدائعه
كما يطوف معنى القلب بالدمن
فلا تثير مغانيه ونضرته
في ظل ذكراك غير الهم والحزن
فقال: إن الدمن هي المزابل.
وأنا يا سيد فؤاد لم أكن أعرف أن الدمنة هي المزبلة ، وهل كانت كذلك في قول صاحب المعلقة المشهورة:
أمن أم أوفى دمنة لم تكلم
بحومانة الدراج فالمتثلم
هل كانت الدمن هي المزابل في قول الشريف الرضي:
دع من دموعك بعد البين للدمن
غدا لدارهم واليوم للظعن
وهل كانت الدمن هي المزابل في قول أبي نواس:
لمن دمن تزداد طيب نسيم
على طول ما أقوت وحسن رسوم
تجافى البلى عنهم حتى كأنما
لبسن على الإقواء ثوب نعيم
وهل كانت الدمنة هي المزبلة في قول ابن سنان الخفاجي:
خليلي قد عم الأسى وتقاسمت
فنون البلى عشاق ليلى ودورها
فلا دار إلا دمنة ورسومها
ولا نفس إلا لوعة وزفيرها
أنا يا سيدي شاعر، رضيتم أم كرهتم، والدمنة في كلام الشعراء الحضريين والبدويين هي الدار العافية، فاسألوا عن صنعة ذلك الناقد لتعرفوا كيف جاز له أن يسمي الدمن مزابل، وما أحب أن أزيد.
ثم ماذا؟ ثم اعترض حضرته على قول زكي مبارك:
لولا مثالك في باريس ألمحه
في طلعة البدر أو في نضرة الفنن
ما صافح النوم أجفاني ولا احتملت
جوانحي ما أثار البين من شجن
واستغرب أن يكون للعاشق عزاء في الأقمار والأفنان.
ويظهر أن هذا الأديب الناشئ لم يطلع على كتاب «مدامع العشاق» ولو كان اطلع عليه لعرف أن الشعراء يتعللون بالأوهام وأن جحدرا يقول:
أليس الليل يجمع أم عمرو
وإيانا فذاك لنا تداني
نعم وأرى الهلال كما تراه
ويعلوها النهار كما علاني
وعجب حضرته من أن أقول:
نسيتم العهد واسترحتم
من لوعة الحافظ الأمين
وقال: «لله ما أبشع هذه الميم في مخاطبة الحبيب».
ولو كان حضرته اطلع على كتاب «مدامع العشاق» لرأى أن هذه الميم تقبلها أبو صخر الهذلي وهو يخاطب محبوبته فيقول:
بيد الذي شغف الفؤاد بكم
تفريج ما ألقى من الهم
ولو شئت لقدمت إليه ألف شاهد من هذا النوع.
ثم ماذا؟ ثم رماني بالسرقة لأني قلت:
أحبك يا ظلوم ولا أبالي
أأكرم في غرامك أم أهان
فإن بخل الزمان بكم علينا
فصبرا للذي صنع الزمان
ورأى أني أخذت هذا المعنى من قول عنترة:
أحبك يا ظلوم فأنت مني
مكان الروح من جسد الجبان
مع أن المعنى مختلف تمام الاختلاف، وهل تكون السرقة لأني اشتركت مع عنترة في عبارة «أحبك يا ظلوم»؟
إن كان هذا صحيحا فما رأي هذا الناقد المبتدئ فيما قيل من أن عند العرب أربعمائة قصيدة تبتدئ بعبارة «بانت سعاد»؟
ثم عجب حضرته من أن أقول:
لقد أسرفت في حبي
كذلك يفعل الصب
نعم عجب من أن يحاسب الشاعر نفسه على الإسراف في الحب كأن الشاعر يحرم عليه أن يرجع على نفسه بعتاب أو ملام.
وتأذى حضرته من كلمة «كذلك» فهل تسمحون بأن أقترح عليكم أن تبيعوا ما يملك هذا الناقد من حاسة الذوق؟ إنه يملك موهبة لو بعتموها لأغنتكم عن مصايف لبنان.
ثم ماذا؟ ثم أتعب نفسه في فهم هذه القطعة:
يا طفلة الحسناء
والدرة العصماء
ما طرفك النعسان
وخدك الفتان
إلا بقايا الأم
ذات اللثات الحم •••
أشبهتها في الدل
وجفنها المعتل
وردفها الثقيل
وخصرها النحيل
فاستوصفيها الحبا
واستودعيها الربا
فقد تناهى العمر
ونال منها الدهر •••
يا زهرة في العين
ونغمة في الأذن
وطفلة في المنظر
وغادة في المخبر