وقد شاء صديقنا الأستاذ طاهر الطناحي أن يداعبني في كلمته الطريفة، فقال: «وبقى دور صديقنا الدكتور زكي مبارك، ولا بد أن يكون له نصيب إن شاء الله من «أخت بغداد» وأغلب ظني أن لدغته لن تكون إلا من أنثى، لأنه شاعر وله شهرة في الغزل بالجنس اللطيف تحبب هذا الجنس فيه ولو كان من البعوض».
ولكن إصابة الأستاذ محمود عزمي بأخت بغداد لها تاريخ يستحق التسجيل، وإليكم البيان:
كان طلبة كلية الحقوق في بغداد أقاموا حفلة تكريم للكشافة السورية، وفي تلك الحفلة ألقيت خطبة، فلما وقف الأستاذ عزمي ليلقى كلمة الختام نوه بخصائص الحفلة فقال: «وتمتاز هذه الحفلة بأنها أول حفلة للشباب اندس فيها خطيب كهل هو الدكتور زكي مبارك».
فحقدت عليه، وانتظرت الفرصة للانتقام، وأنا فيما يظهر رجل حقود!
وبعد أسابيع أقام لي أفاضل الأدباء في بغداد حفلة تكريم، وشاء كرم الأستاذ عزمي أن يشرفني بخطبة يلقيها في ذلك الاحتفال، ورأيت الفرصة قد سنحت للانتقام منه بلباقة سحرية، فقلت ما معناه: «أرجو أن يعذرني أهل العراق إذا عجزت عن الوصول إلى قلوبهم على نحو ما صنع الأساتذة المصريون، فهم أوفر مني علما وأدبا، وفيهم رجل سبقني إلى الدنيا بأكثر من خمسين عاما، وهو الأستاذ محمود عزمي».
وفي اليوم التالي نشرت خطبتي بجريدة البلاد، وصدق أهل العراق أن الدكتور عزمي يكبرني بخمسين عاما، ولم يروا في هذا ما يوجب الاستغراب؛ لأن الدكتور عزمي أشهر مني، وأقدم مني، وأنا أستاذ وهو عميد.
وبعد أيام من ذلك التاريخ كنا مدعوين لتناول الشاي عند سعادة الأستاذ ساطع الحصري وكان في المجلس معالي الأستاذ رستم حيدر، وجرت بيني وبين الأستاذ عزمي مناقشة قلت فيها بترفق: من واجبي يا سعادة الأستاذ أن أتلطف معك رعاية لسنك! وكانت دعابة ثقيلة توجع منها معالي الأستاذ رستم حيدر، لأنه من سن الأستاذ عزمي. •••
ثم شاءت المقادير أن تلوح الفرصة التي ينتقم بها الأستاذ عزمي فقد أصيبت رقبته بأخت بغداد، وأخت بغداد مرض لا يصاب به غالبا إلا الشبان، فمضى يقول في الأندية والمجالس: إن إصابتي بأخت بغداد هي الدليل على شبابي، وما أظن الدكتور زكي مبارك يصاب بها لأنه كهل.
واليوم أضع الأمر في نصابه فأقول: إن الأستاذ عزمي يغالط، ويغالط، ثم يغالط.
هو يعرف أني أصبت بأخت بغداد منذ أول يوم تنسمت فيه هواء بغداد، فإن كان يجهل ذلك فليتذكر أنني ابتليت بهوى ليلي المريضة في العراق.
الفصل الثامن عشر
| شاعرية زكي مبارك
يا سيد فؤاد
ما هذا الذي تصنع؟
إني لا أزال أبحث عن لحظة فراغ لأنقض تعليقاتك على مقالتي الماضية، وسترى كيف أرجع إليك رجعة السيل، فإن عندي كلمة قاسية لا يجرؤ على كتابتها رجل غيري ولا يجرؤ على نشرها رجل غيرك.
وأبادر الآن بهدم ما نشرتموه لأحد الأدباء من الاستخفاف بشاعرية زكي مبارك، وما كان يهمني أن أهدم ما بنى ذلك الأديب فمثلي يحب أن تكون للناشئين أوهام وأحلام، ولكني خشيت أن يصدق القراء كل ما ينشر في مجلة «المكشوف» وقد وقع ما خشيت فنقلت ما نشرتم جريدة «الرأي العام» في بغداد.
والطريف في هذه القضية أن تنشروا أكثر من خمس مقالات في الرد على الآنسة نجلا عبد المسيح لأنها وقعت في أكبر خطيئة حين قررت أن رأيها في الدكتور زكي مبارك لا ينقض بسهولة!
وكان الظن بأدبكم أن لا تشجعوا القراء على مناوشة تلك الفتاة فالدكتور زكي مبارك هو صاحب كتاب «النثر الفني» الذي لم تعرف مثله اللغة العربية، لا في القديم ولا في الحديث، ولا تؤاخذني يا سيد فؤاد، فلست بالرجل المغرور، وسيأتي يوم تنظر فيه كتاب «النثر الفني» وتعرف أن الدكتور زكي مبارك دان اللغة العربية بذلك الكتاب، وعند الله جزائي.
لا تؤاخذني - يا سيد فؤاد - فإني أشعر بالألم اللاذع حين يجيء كاتب من كتابكم فيسميني «أمير الشعر والبيان» على طريق السخرية ولو كنت سلكت المسالك التي تعرفون لكنت اليوم من أقطاب الوزراء واسترحت من إمارة الشعر والبيان.