تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما بعد، فهذا غروب اليوم التاسع والعشرين من شهر رمضان، وهذا مكاني على المائدة في المطعم الذي تخيرته بشارع الرشيد، وهذه أطياف ترد على القلب، من أحباب القلب، أطياف من مصر الجديدة والزمالك، تلك البقاع التي لم تر فيها النجوم قلبا مثل قلبي، ولم تسدل ستائرها على هوى أعنف من هواي ... وليقل من شاء ما شاء.

وأسأل جاري على المائدة: هل ثبتت الرؤيا؟

فيجيب: سنعرف ذلك بعد ساعة أو ساعتين.

وأخرج فأتصفح الوجوه في شارع الرشيد بلا نفع ولا غناء.

ثم أميل على الشرطي أسأله: هل ثبتت الرؤيا؟

فيجيب: لم تثبت، ولكن المحكمة تنتظر برقية من النجف.

فأدمدم: برقية من النجف؟ وهل يسر من في النجف أن يفطر من في بغداد؟ إن كان الأمر لعلماء النجف فسيضيفون إلى الصوم يومين، ولولا أن يفضحهم الهلال لزادوا الصوم أسبوعين.

وأذهب إلى نادي المعارف لأسمر لحظات مع الزملاء من المدرسين فيفرحون بلقائي ويسألون: كيف غبت أمس؟ فأجيب: غبت أمس لأحضر اليوم، ولكن حدثوني هل عندكم أخبار عن الهلال؟ فيجيبون: سنعرف ذلك بعد الساعة العاشرة، فأقول والشمس تغرب في الخامسة، فهل يمكن أن يكون بين الخامسة والعاشرة مجال لرؤية الهلال؟

وبعد لحظة تحول إبرة المذياع إلى مصر فأسمع فتاة تباغم المستمعين فتقول: سادتي وسيداتي، هذا آخر العهد برمضان.

فأقول: يا إخواني، يا حضرات الأساتذة، يا مسلمين يا أولاد الحلال هذه في مصر ليلة العيد.

فيجيب أحدهم وهو يبتسم: علمت شيئا وغابت عنك أشياء، ألم تعلم أننا صمنا يوم الجمعة، وصام المصريون يوم الخميس، فهم حتما يسبقوننا إلى العيد؟

فأقول: من هنا تعلمون أن مصر تقدمت في كل شيء، فلها السبق في الصوم ولها السبق في العيد، وأنصرف محزون الفؤاد. •••

هذه غرفتي موحشة لا يؤنسني فيها غير أرواح الموتى من المؤلفين، وسيكون الغد يوم عمل؛ لأن يوم الوقفة لا عطلة فيه في بغداد، وإذن فسأعطي غدا درسا في التفسير، وهو درس متعب لأنه في الكشاف، وفي آية يختلف فيها أهل السنة مع أئمة الاعتزال.

وكيف أعد هذا الدرس - يا رباه - وأنا أعرف أنها ليلة عيد في مصر الجديدة وفي الزمالك، ويا ويلتاه من لوعة القلب حين أتمثل مصر الجديدة والزمالك، وغضبة الله على من تمر بباله خاطرة ملام، وأنا أردد أسماء تلك المغاني، حرسها الله، وأدام لأهلها نضرة النعيم.

بسم الله الرحمن الرحيم

يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون

سورة الحجرات: 2

قال جار الله الزمخشري ...

هذه طلقة مدفع!

وقال ابن حجر في الرد عليه ...

وهذه طلقة ثانية!

وكيف نوفق بين القولين؟

وهذه طلقة ثالثة!

ولكن ما الساعة الآن؟

الساعة العاشرة، إذن ليست هذه مدافع السحور ولا مدافع الرفع، وإنما هي مدافع العيد. •••

وأطفات المصباح، وتلفت إلى النافذة لأرى ظلام بغداد، وقلت: هذه ليلة عيد بالإجماع، فلأرح نفسي من الكشاف، ولجاجة صاحب الكشاف، ولأقبل على قلبي أتبين ما فيه من فطور وندوب.

وتذكرت أنني كنت أكتب رسالة وجدانية في كل ليلة عيد، ثم انقطعت رسائلي بعد إذ مات أبي يرحمه الله، لأنني أنفت أن أبكي بعده على غرض مضيع أو هوى مفقود.

ثم بدا لي في هذه الليلة أن أبي لا يسره في قبره أن تعيش مهجتي بلا لوعة، ومقلتي بلا دمعة، وكان يرحمه الله جذوة من الوجدان.

وعدت إلى الظلام أستلهمه وأستوحيه فلم أجد من أحاوره غير الرجل الحزين الذي اسمه أحمد أحمد حسن الزيات.

صديقي!

هل تذكر فكاهتك الطريفة إذ تحدث إخوانك أنك عرفتني أول مرة عن طريق البوليس؟ هل تذكر أن البوليس دعاك مرة إلى زيارة المحافظ فتوجست خيفة، ثم رأيت أن الخطب هين لأنك دعيت لتتسلم رسالة من الشيخ زكي مبارك الذي اعتقلته السلطة العسكرية أيام الثورة المصرية؟

وحي بغداد · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي بغدادص ١٣