ألا فلتعلم أن الحظ قضى عليك ألا تتلقى مني رسالة إلا في ظروف تحيط بها شبهات، فإن كانت الرسالة الأولى في عهد ثورة فهذه أيضا في عهد ثورة، وربما كانت هذه أعنف، وأفظع لأنها تحدثك عن صديق حزين يناضل الأرق والسهاد في ليلة عيد.
صديقي!
لا تعجب من رجل يضنيه الحزن والابتئاس مع أنه ينهض بأثقل الأعباء، فدنيا القلب غير دنيا العقل، والشواغل الجسام لا تلهي الرجل عما يساوره من لواذع الإحساس، وأنا رجل يؤمن بأن القلب أدق ميزانا من العقل، وكيف لا يكون كذلك وهو يأخذ هدايته من الفطرة، على حين لا يهتدي العقل إلا بالبراهين، وهي في الأغلب تقوم على مقدمات لا تخلو من تضليل.
صديقي!
هذه الساعة الأولى بعد منتصف الليل، وستقرأ هذه الرسالة فتذكر أنك أرقت في ليلة العيد بلا سبب معروف، فلتفهم حين تقرأ هذه الرسالة أن ذلك الأرق إنما كان هدية أرسلها إليك الغريب في بغداد، الغريب الذي يوحي الحزن إلى أشقياء الغرباء.
والآن أطفئ المصباح لأعانق الظلام في المدينة السحرية التي شقى بلياليها ملايين الرجال فلا أرى غير بصيص ضئيل لمصباح أقامته الحكومة على شاطئ دجلة، فأفهم أنني أخاطب الأموات؛ لأن مصابيح الحكومة لا تدل على شيء، ولا يهتدي بها غير لصوص الجيوب.
الآن تهدأ بغداد بعد أن تسدل أستارها على الغافلين من السعداء والبائسين، ويبقى المسهد الغريب الذي لا يعرف ربيع القلب، ولا نعيم الجفون.
في هذه الليلة تهدأ جنوب، وتقلق جنوب، وجنبى هو الجنب الحائر تحت سماء بغداد.
في هذه الليلة تتلفت عيون فلا تراني، عيون كنت لها أمتع من إغفاءة الفجر، وأنضر من بياض الصباح، في هذه الليلة تشتاقنى أكباد رقاق علمتها كيف تطيب ليالي الأعياد.
ولكن لا بأس، فسنعيش حتى نرد ديون الهوى، وسيعلم من أبكاهم الفراق أن الدمع لا ينفع وسنرجو أن لا يسمحوا لنا بعد هذه المرة بالتعرف إلى محطة باب الحديد.
أخي الأستاذ الزيات
لا أنتظر منك دمعة عند قراءة هذا الخطاب، ولكن لي إليك رجاء، فأحفظ عهد أخيك ولا تمش في شوارع القاهرة إلا مشية الخاشعين، فليس في تلك المدينة بقعة إلا ولي فيها صبوات، وليس فيها شارع ولا مشرب ولا ناد إلا ولي فيه أحباب وخلان.
ولو شئت لكلفتك تبليغ التحية إلى أصفياء القلب في مصر الجديدة، وفي الزمالك، ولكن مثلك واأسفاه لا يؤتمن على نقل التحية إلى أسراب الملاح، فلتكن «الرسالة» رسولي إلى من أذالوا غاليات الدموع يوم رحيلي إلى العراق، والسلام عليهم وعليك من الغريب الحزين.
الفصل السادس
| العروبة في مصر
محاضرة ألقاها المؤلف في نادي المثنى
أيها السادة
منذ أيام ألقيت محاضرة في نادي القلم العراقي عن المذاهب الأدبية في مصر، ارتجلتها ارتجالا؛ لأن الوقت لم يتسع لتدوينها، وأنا كما تعلمون مشغول، وكان في النية أيضا أن أرتجل هذه المحاضرة، وقد عرف ذلك صديقي صاحب جريدة البلاد فأرسل أحد زملائه لتلخيصها، ولكني رأيت بعد عصر اليوم أن الموضوع الذي أتكلم فيه موضوع دقيق، وأن من الواجب أن أدون محاضرتي وأن أقف عند الذي دونت، حتى لا توجد فرصة للتفسير والتأويل.
وأسارع أيها السادة فأنص على أن محاضرتي لا صلة لها بالمعاني السياسية، فليس في بغداد مصري يحق له أن يتكلم في السياسية غير سعادة الأستاذ عبد الرحمن بك عزام وزير مصر المفوض في العراق، وإنما أتكلم باسم الأدباء المصريين كلام الزميل الصادق الذي لا يعرف غير الحق.
وبعد هذا التحفظ أقول: إن صلات مصر بالأمم العربية ترجع في حقيقتها إلى عنصرين: عنصر السياسة وعنصر الأخوة.
والسياسة لها وجهان: الوجه الدولي والوجه الأدبي، وأعترف صراحة بأن الوجه الدولي من السياسة لا يربط مصر بالأمم العربية، فمصر لا تملك من الوجهة الدولية أن تجهز الجيوش لمناصرة الأمم العربية، وهي كذلك لا تنتظر هذه المعونة من الأمم العربية، وكلكم يذكر أن البوارج الإنجليزية احتلت الجمارك مرة في عهد وزارة المغفور له سعد زغلول، ومع ذلك لم يقل أحد في مصر إن الأمم العربية كان عليها أن تقف في صف مصر بما عندها من جيوش البر والبحر والهواء، فذلك أيها السادة أمل نرجو أن يحققه المستقبل، أما الآن فنحن وأنتم نعرف ما يحيط بنا من المعضلات، ونرجو أن ينصرنا الله على الأعداء.