تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أتريدون كلمة الحق؟

لم يبق في مصر أدب ولا مذهب أدبية.

إن الأقلام كلها تحولت إلى الجدل السياسي، وكاد المسرح المصري يموت بالرغم من وجود قصاصين بارعين أمثال محمود تيمور وتوفيق الحكيم.

فإن شئتم أن تعرفوا ما هو المذهب الجديد الذي عرفته مصر من بين المذاهب الأدبية فإني أحدثكم أن ذلك المذهب هو الأدب السياسي، والأدب السياسي هو كل ما تعرف مصر من غذاء العقول في هذه السنين العواصف.

والأدب السياسي فن جديد في اللغة العربية، ولا يعرف قيمته إلا من يقرأ البلاغ والكوكب والجهاد والأهرام والمقطم وآخر ساعة والكشكول، ففي هذه الجرائد والمجلات صنوف من الصبوح والغبوق يدركها أرباب الأذواق.

ولو رأيتم كيف تتصاول المذاهب والآراء في تلك الجرائد والمجلات لرأيتم العجب العجاب، وأشد ما آسف له أن الأدب السياسي في مصر لا يطلع عليه إخواننا في سائر الأقطار العربية، لأنهم يحسبونه نوعا من الحديث المعاد، ولو بحثوا لعرفوا أنه صقال للأذهان والعقول.

أيها السادة

قد رأيتم أنني وقفت موقف الواصف لبعض الظواهر الأدبية في الديار المصرية، وما أدعي أني وفيت الموضوع حقه من البحث، ولكن يكفي أن أكون طفت بكم طوفة لا تخلو من طرافة، وهي طوفة كنت فيها مثالا للدليل الأمين، والسلام.

الفصل الخامس

| القلب الغريب

في ليلة عيد

أخي الأستاذ الزيات

هل تذكر ما حدثتني به منذ سنين؟ هل تذكر أنك تشهيت مرة أن توجه إلي خطابا على صفحات البلاغ عنوانه «من غريب إلى غريب» وكنت الغريب في بغداد وكنت الغريب في باريس؟

ولم تحدثني عما أوحى إليك أن تفكر في إنشاء ذلك الخطاب، فهل أستطيع أن أرجح أن ذلك كان بعد أن نشرت أنا رسالة «من غربة إلى غربة بين القاهرة وباريس» تلك الرسالة التي فضحت بها مكتوم صدري ومكنون هواي؟

على أنني لن أكتب مثل تلك الرسالة مرة ثانية، فقد انتهى عهد الغربة بالقاهرة، وقضى الحب أن أشهد كيف تنهمر دموع الملاح يوم رحيلي إلى العراق.

انتهى عهد الغربة بالقاهرة، وحل عهد الاغتراب عن القاهرة، فمن يردني إليها ليلة أو ليلتين لأقضي حق التحية تحية المغاني الآهلة التي كانت تتشوف إلى العيد، لتراني مع العيد!

ليتك يا صديقي تعرف نعمة الله عليك في بلد لك فيه أهل وأحباب، ولا أراك الله حسرتي وعذابي وأنا أتجرع كأس الغربة في ليلة عيد.

ولكن هل من السياسة أن أعلن غربتي في بغداد، وقد لقيت فيها أهلا بأهل وجيرانا بجيران؟

إن قيل ذلك فأنا أعلن أني لا أعاني غربة العقل، وإنما أعاني غربة القلب.

وكيف أعاني غربة العقل ومحاضراتي يشهدها المئات من عشاق العلم والبيان، ولا أخطو خطوة إلا وأنا محوط بالعطف والإعجاب، ولا أدخل ناديا إلا تلقاني أهله وسامروه بالترحيب والتبجيل؟

ولكن هل يكتفي مثلي بحياة العقل؟ يا ضيعة العمر إن كتب علينا ألا نظفر بغير الثناء من عقلاء الرجال، وما أضيق العيش إن كانت لا تلمع بروقه إلا من صرير القلم وسواد المداد.

إن الحياة العلمية ليست إلا خدعة يتلهى بها أرباب القلوب، وهل يخفى عليك ما يعانيه رجل مثلي حين يعود وحيدا إلى منزله بلا أنيس ولا رفيق؟ هل يعزيه حينذاك أن يتذكر أنه كان منذ لحظان يعاقر الفكر والرأي وهلو يلقي محاضرته على جمهور من العلماء والأدباء؟

ليتك تراني وأنا أدخل إلى غرفتي شارد اللب فأزيح الستائر عن النوافذ، ثم أطفئ المصباح لأقف وجها إلى وجه مع ظلام بغداد، ويا رحمة الله من ظلام بغداد في لياليها الطوال.

ولكن ما الذي يدعوني إلى معانقة الظلام في بغداد؟

لا أعرف، ولكن يخيل إلي أن الظلام يؤنسني بعض الإيناس، لأنه يوهمني أني في فترة من الزمن تأنس فيها القلوب بالقلوب، وتسكن الأرواح إلى الأرواح، وربما كان الظلام في غرفتي فرصة طيبة أتبين فيها بصيص النور في منزل قريب أو بعيد فأتمثل أخيلة النجوى والعتاب، وأتوهم ضجيج المرح في ليالي الوصال. •••

وحي بغداد · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي بغدادص ١٢