تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبهذه المناسبة أذكر أن المصريين كانوا فكروا في انتخاب أمير للشعر بعد شوقي، ورأي جماعة أن يكون ذلك اللقب من حظ الأستاذ عباس العقاد وثار جماعة آخرون منهم الأستاذ محمد الهراوي والأستاذ محمد الأسمر فقد أهدوا اللقب إلى «البرنس» وهو نساخ في دار الكتب المصرية له منظومات في التهاني بالأفراح والليالي الملاح!! وقد قتل ذلك الجد بهذا المزاح.

أيها السادة

لا تعجبوا من حرصي على تدوين الجانب النسائي في الحياة الأدبية، فأنا واثق بأن الرجة الاجتماعية التي يمثلها اختلاط الجنسين في الجامعة المصرية سيؤدي إلى نتائج منها المقبول والمرذول، ولا مفر من الاعتراف بأن وجود نحو ثلثمائة فتاة بين شبان الجامعة المصرية سيحدث أزمات نفسية وخلقية، ومن تلك الأزمات المخوفة يأخذ الأدب وقوده الذي ظل ينتظره منذ أجيال.

ولكي تعرفوا كيف أسرع التطور في بلادنا أذكر لكم أني كنت طالبا في الجامعة المصرية منذ عشرين عاما، ولم يكن يزاملني من الجنس اللطيف في ذلك العهد غير فتاة واحدة هي الآنسة مي، وحين يلتحق ابني بالجامعة في العام المقبل سيجد بجانبه ثلثمائة فتاة، فإن صح أن مزاملة فتاة واحدة أثرت في أدبي، فكيف يكون حال ابني؟ وقاه الله ونجاه!!

أيها السادة

قد يكون من الخير أن نقرر أن الأدباء المصريين بدأوا ينقسمون إلى طوائف ففي الشعراء من يريد قصر شعره على مسامرة الأطفال كالأستاذ محمد الهراوي، وفيهم من يقف أشعاره على الأغاني كالأستاذ أحمد رامي الذي ملأ المشرقين بالحنين على لسان أم كلثوم، وفي الكتاب من لا يعبر عن أغراضه بغير القصص وفيهم من يكاد يقصر أدبه على السخرية من المجتمع كالأستاذ إبراهيم المازني، وفيهم من وقف أدبه على الفكاهة كالأستاذ حسن شفيق المصري، وعندنا أدباء لا يعرفون إلا إذا علوا منابر البرلمان.

وقد بدأت الأساليب تتنافر وتختلف، فأسلوب فكري أباظة ومحمد التابعي غير أسلوب عبد العزيز البشري وأحمد الزيات.

وكتاب الأهرام لهم مسالك في التعبير تخالف مسالك زملائهم في جريدة البلاغ.

والموضوعات التي تدرسها مجلة الرسالة غير الموضوعات التي تدرسها مجلة الصباح.

والسامرون في الأحياء الأزهرية لهم مذاهب في القول والتعبير تباين المذاهب المألوفة عند السامرين في شارع مظلوم وشارع فؤاد، وأدباء القاهرة غير أدباء الإسكندرية وغير أدباء أسيوط.

ولكن ما نراه تباينا لا يجيز القول بأن في مصر مذاهب أدبية تشبه الكلاسيك والرومانتيك عند الفرنسيين، ذلك بأن الأدباء المصريين تتطور أذواقهم كل يوم بفضل إقبالهم على مختلف الثقافات الشرقية والغربية، فالخلاف بين الأساليب هو كالخلاف بين الوجوه لا يجعل الرجلين من أمتين مختلفتين وإن كان يشهد لكل فرد بالقوة الذاتية.

وهذا التصادم بين المشارب والميول يحير المبتدئين في بلادنا فلا يعرفون كيف يتوجهون، ولكنه يساعد على قوة الشخصية، إذ يستطيع الشاب الناضج أن يتفرد في النهاية بأسلوب خاص.

وقد يكون من الخير أيضا أن نقرر أن في مصر كثيرا من الجرائد والمجلات التي تصدر باللغات الأجنبية، وهذا يؤثر في تلوين الثقافة أشد تأثير، لأنه يغري الأدباء المصريين بمتابعة الكتاب الأجانب في بعض المذاهب، ولعل لهذا دخلا في شيوع الصور الرمزية بالمجلات المصرية، والأفكار تعدي بالصحة وتعدي بالمرض في أكثر الأحيان.

أيها السادة

لا يسعني في هذا المقام أن أغفل ظاهرة أدبية عرفتها مصر في الأعوام الأخيرة، فقد كانت أنشئت مجلة شعرية اسمها «أبوللو» ولم تعمر غير عامين، ولو طال عمرها لأمدت الشعر بكثير من الحيوية، ولكن الدكتور أبو شادي عجز عن الإنفاق عليها بعد أن أنفق في سبيلها ما أنفق، فغربت بعد أن أظهرت طاثفة من الشعراء الشبان منهم حسن الصيرفي وصالح جودت وعلي محمود طه، وبعد أن عرفت الجمهور بعبقرية الدكتور إبراهيم ناجي أصدق شاعر يبكي حظوظ القلوب ويذكر الناس بنبرات ابن الأحنف وابن زيدون.

وحي بغداد · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي بغدادص ١١