ودخلت إلى مكتب نائب العميد فرأيت الدكتور عزمي بخير، وجدته أصفر اللون ممزق الثياب، وهو يرتجف، فقلت: سلامتك يا دكتور، ماذا تجد وما الذي حدث؟
فأشار إشارة خفيفة فالتفت فإذا رجل مددت فوق بساط المكتب وهو مضرج بالدماء، رجل أخفى الدم معالم وجهه وكاد ينقله إلى حظيرة الأموات، ولكن صوته وهو يتأوه ويتوجع دلني على شخصيته فعرفت أنه الصديق الكريم الدكتور حسن سيف.
ما أنت يا دنيا؟ أرؤيا نائم؟
أم ليل عرس؟ أم بساط سلاف
نعماؤك الريحان، إلا أنه
مست حواشيه نقيع زعاف!
ذلك الدكتور سيف الذي قضى أيامه في بغداد وهو يعتب ويتلوم، لأني أنقطع عن زيارته، وأعق واجب الإخاء في السؤال عنه، ولا أراه إلا مصادفة في الطريق.
وكان الدكتور سيف هو وحده الذي يعتب ويتلوم من بين سائر الزملاء، فهل كان يشعر بأن الأقدار ستفرق بيننا بعد قليل؟
كان الدكتور سيف أخا كريما، فعند الله أحتسب فجيعتي في ذلك الأخ الكريم.
كنت أرتاب في أكثر المودات وأثق بمودة ذلك الصديق.
وما هي جريمته حتى يقتل وهو غريب؟
آه، ثم آه، لقد تذكرت.
تذكرت أن الله ابتلاه بحرفة التدريس كما ابتلاني، والتدريس حرفة صعبة قاسية لا يعرف أخطارها إلا الأقلون.
ولم تكن كذلك إلا منذ اليوم الذي وضعت فيه للتدريس قواعد وأصول، وأصبح من المفروض أن يمتحن الأستاذ تلاميذه ليحكم لهم أو عليهم، والتلاميذ كما عرفتهم في مصر وفي العراق لا يرضون أبدا عن أساتذتهم، فإن نجح طالب فنجاحه لم يقع إلا بفضل المحاباة، وإن رسب فرسوبه لم يقع إلا بسبب المعاداة، والأستاذ في جميع أحواله مظلوم، لأن التلاميذ في أغلب أحوالهم صغار، لا يرون الحق والباطل إلا في ضوء المنافع الشخصية.
والرصاصة التي تلقاها الدكتور سيف في دماغه أقل خطرا من كلمة السوء التي يتلقاها غيره من الأساتذة، فكم في الدنيا من أساتذة وصموا بأقبح الوصمات؛ لأن لهم تلاميذ ساقطين يذيعون عنهم الإفك والبهتان. •••
وجاء الإسعاف فنقل الدكتور سيف إلى المستشفى الملكي، وبقيت مع الدكتور عزمي أواسيه، فأخبرني أنه تلقى رصاصة في كتفه، وأنه يخشى العواقب - لأنه مريض بالبول السكري - فقدمت له سيجارة فرفض، فقلت: هي تلهية تنسى بها قليلا همومك فلم يستطع أخذها بيديه، ومد فمه للسيجارة فعرفت أن الرجل يتكلف في ترضيتي مالا يطيق.
وبعد لحظات أخذته في عربة إلى المستشفى الملكي، وأدخلته إلى حجرة الإسعافات، ولكنه ما كاد يجلس حتى غلبه البكاء. •••
كنت أصدق كل شيء، ولكني كنت أنكر أن يبكي الأستاذ محمود عزمي من الجزع، هذا رجل له خصوم وله أنصار، وقد أسرف في الحب وفي البغض، فما الذي مر بخاطره في تلك الحظة حتى غلبه الدمع؟
لعله تذكر أطياف ما لقى من الشقاء في دنياه، فهذا الرجل لم يعرف معنى الهدوء منذ ثلاثين عاما، وهو قد انتقل من ميدان إلى ميادين، وظل يكافح ويناضل حتى عرف أخيرا أن في الدنيا شيئا اسمه الرصاص!
ما أذكر أبدا أني أحببت الأستاذ محمود عزمي، فقد اصطدمت به في القاهرة في أعقاب الثورة المصرية، واصطدمت به في باريس واصطدمت به في بغداد، ولكني لم أخل يوما من العطف عليه، فهو رجل مكافح يستحق الإعجاب، ونكبته في بغداد توجب الأسف، لأنها أثر من آثار الحيوية الذاتية التي امتاز بها هذا الرجل الجوال. •••
وجاء الطبيب الشرعي فشخص جرح الدكتور عزمي، وبدا لي أن التشخيص خطأ، ولكني لم أعترض، وبعد لحظات حملته نقالة إلى حجرة الاستراحة، وكان يستطيع أن يمشى على قدميه، ولكن غلبه الإعياء.
ونظرت فرأيت معالي وزير المعارف الأستاذ محمد رضا الشبيبي، ومدير المعارف العام الأستاذ طه الراوي، ومدير التربية والتدريس الدكتور فاضل الجمالي والمفتش العام الأستاذ يوسف عز الدين، فجلسنا جميعا ننتظر رأي الأطباء في مصير الدكتور سيف.