تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وشفتني بغداد، لأني أنست بسواد الليل حين فاتني الأنس بسواد العيون، فشرفت نفسي بمراسلة الصحف في مصر والعراق ولبنان، وخرجت من ذلك كله بمحصول أدبي سيملأ خمسة مجلات، وسيكون تذكرة باقية لفضل العراق.

قدمت بغداد وقد حقت علي لعنة المازني فهجرت الشعر إلى الأبد، وسأفارق بغداد وفي صدري قصيدة هي أعظم ما نظمت في حياتي.

قدمت بغداد في أسمال الأشقياء، وسأفارق بغداد وعلى رأسي تاج البيان.

ليت قومي يعلمون.

ليت قومي يعلمون أن كرم العراق فوق الأوهام والظنون.

ليت قومي يعلمون لأي الأسباب تظفر مصر بثقة العراق؟

الأسباب واضحة جدا، ولكن أين من يعرف؟

إن المصريين يفدون إلى العراق، وليس في صدورهم ثروة غير الحب، ومن أجل هذا يحبهم العراقيون، فإن سمعتم أن مصريا شقى في العراق فاعلموا أنه مصري مزيف، ومصر يكثر في أهلها التزييف، مع الأسف الموجع، لأنها مجمع البحرين.

لقد صاولت العراقيين بلا تلطف ولا ترفق، وآذيتهم في بعض أحوالي أبشع إيذاء ، وظلوا مع ذلك إخوانا كراما، فكيف كنت وكيف كانوا؟

غزوتهم وأنا مخلص فرعوني وهم مخلصون.

استطلت عليهم باسم العلم الذي أدعيه فصبروا باسم العلم الذي يحسنون.

من أنتم يا أهل العراق؟ أتكونون من الملائكة؟ أتكونون من الشياطين؟

من أنتم؟ حدثوني من أنتم فقد خبلتموني؟

إن عاصميكم لا تساوي حيا واحدا من أحياء القاهرة، فما هو السحر الذي صرعتم به قلبي؟

لقد سحرتم أبا العلاء المعري وهو ضرير فظل طول عمره يتحدث عن فضائلكم وشمائلكم. فكيف أكون ولي بصر حاد أنعم الله به وتفضل؟ كيف أكون وأنا أشهد شقاءكم في الصباح ونعيمكم في المساء؟

كيف أكون وأنا أشهد شوارعكم تموج في النهار بالعاملين، وتموج في الليل بالعاشقين؟

عشت بينكم محروما يا أهل بغداد، وسأفارقكم وأنا محروم، فاذكروني بالشعر يوم أموت، وما أريد شعر القوافي وإنما أريد شعر الأرواح.

صديقي

هل سمعت بالمستحيل؟

عشت في باريس ما عشت، وكنت أصدق مصري عشق باريس، ولكني كنت أعد أعوامي في باريس، فكنت حين يقترب رجوعي إلى مصر أجرب السفر في كل مساء إلى محطة ليون، فكيف تراني في بغداد؟

أنا اليوم أتوجع كلما تذكرت أني سأفارق بغداد بعد أسابيع.

أنا أضطرب وألتاع كلما تذكرت أني سأفارق القيظ والغبار في بغداد.

أنا أشرق بدموعي كلما خطر بالبال أني سأرحل عن بغداد.

فهل تراني يا صديقي عشت عيش المنعمين في بغداد؟

لم أر في بغداد غير ظلام الليل.

لم أر في بغداد غير سواد المداد وبياض القرطاس.

لم أعرف كيف تصطرع الأهواء في بغداد، فما عصيت فيها ربي، وذلك أعظم الذنوب، فلولا المعصية لما ظفر الناس بأعظم نعمة من نعم الله وهي الغفران.

رباه! عاقبني بما شئت، فقد كفرت بالعيون السود، في وطن العيون السود.

رباه! اغفر ذنوبي، فقد وقعت في أعظم ذنب وهو الحرمان.

رباه! أنت تعلم أني لا أداري المنافقين، فنجني من شر المنافقين.

رباه! أنا أحب العراق، فاجعلني طول حياتي من المجاهدين في سبيل العراق، واحشرني يوم الحساب مع أهل العراق.

رباه! إن العراقيين رعوني وأكرموني فاجعلهم في الدنيا والآخرة من السعداء.

الفصل الخامس والخمسون

| فاجعة بغداد

ما أعجب ما تصنع المقادير!

وهل كان يخطر ببال أحد أن أكتب آخر مقال في بغداد وأنا محزون؟

من كان يظن ذلك؟ لقد قضيت عامي كله فرحا مسرورا، أتنقل في أرجاء العراق من مدينة إلى مدينة، فوق أمواج الجذل والابتهاج، وألقى من عطف العراقيين ولطفهم ما يشرح الصدر ويؤنس الروح.

فكيف جاز أن تكون آخر أيامي في بغداد أيام أحزان؟

تلك ضريبة نؤديها راضين أو كارهين، فكذلك كانت الدنيا وكان الوجود. •••

في ضحى اليوم العشرين من شهر حزيران ذهبت إلى دار المعلمين العالية لمراجعة بعض الشؤون، فلقيني الدكتور عقراوي مذعورا وهو يقول: وقع اعتداء على الدكتور عزمي، فانزعجت وأسرعت لنجدته، وكان الظن أن يكون الاعتداء نوعا من التلاحي والسباب، ولكني ما كدت أجتاز باب كلية الحقوق حتى أفزعتني مناظر الدماء.

وحي بغداد · الصفحة ١٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي بغدادص ١٠١