ولم يكن بد من أن نتحدث، فاقترحت على معالي وزير المعارف أن يغير مواعيد الامتحان، وأن يجعلها في الشتاء لا في الصيف، وقلت: إنني اقترحت ذلك على وزير المعارف المصرية منذ سنتين، والحر في مصر يقتل أعصاب الشبان، فكيف ترونه يصنع بشبان العراق؟ إن الحر في مصر يحمل الطلبة على قتل أنفسهم عند الرسوب في الامتحان، وهو في العراق يحمل الطلبة على قتل أساتذتهم وقتل أنفسهم كما وقع للطالب الذي قتل نفسه بعد أن ضرب أستاذين.
وعندئذ قال الدكتور الجمالي إنه يدعو إلى هذا الرأي منذ سنتين.
وجاء كبير الأطباء فأخبرنا أن الدكتور سيف قد لا يعيش.
وانصرفنا منزعجين، وحملني الأستاذ طه الراوي في سيارته إلى وزارة المعارف وأخذ يعاتبني على ذنب جنيته، وهو أني اعتذرت عن مواصلة العمل بدار المعلمين العالية في العام المقبل بدون أخذ رأيه، ثم قال: لقد قضيت يومين وأنا مبلبل الخواطر بسبب فراقك، ولم أكن أعلم أن الدنيا ستفجعني بما هو أشد من فراقك، وأخذ يبكي بكاء أليما.
وشرعت أواسي الأستاذ طه الراوي كما واسيت الأستاذ محمود عزمي.
فمن أنا في دنياي؟! وماذا عندي من العافية حتى أواسي المجروحين والمحزونين؟ وهل رأى الناس قبلي إنسانا يحترف الطب وهو عليل؟
ثم ذهبت إلى المستشفى الملكي لأعود الدكتور عزمي فرأيت من المحرم أن يدخل إنسان عليه، فرجعت إلى منزلي وأنا مفطور القلب محزون.
ما تغديت ولا تعشيت في ذلك اليوم، وطرق بابي طارق ومعه خطاب ينتظر جوابا، فقرأت الخطاب مرة ومرتين ومرات، ولم أفهم غرض الكاتب، وكذلك فهمت أن التجلد لم يمنع من أن يهد الحزن بنياني.
أما بعد، فقد تكون لهذه الفاجعة عقابيل.
ولكن من واجبي نحو وطني أن أعلن جهرة أن هذه الفاجعة لا يجب أن تفسد ما بين مصر والعراق من الصلات الثقافية.
فالطالب الجاني كان مريضا، وقد ضعفت أعصابه تحت تأثير المرض والقيظ، فجنى ما جنى وهو غير مسئول، ثم قتل نفسه بعد ذلك.
أشهد صادقا أن مصر لها في قلوب أهل العراق أجمل مكان.
وأشهد صادقا أني لم أر من أهل العراق غير الجميل.
وأشهد صادقا أن حكومة العراق وجمهور أهل بغداد عزونا في هذه الفاجعة أجمل عزاء.
وأشهد صادقا أن العراقيين إخوان أعزاء لا يضمرون لنا غير الحب والعطف والوداد.
ودموع الأستاذ طه الراوي، وجزع معالي الأستاذ الشبيبي وحزن فخامة السيد جميل المدفعي رئيس الوزراء، هي الشاهد على صدق ما أقول إن أهل العراق يعيشون منذ أجيال في مآتم وأحزان.
فما الذي يمنع من أن تمتزج دموعنا بدموعهم؟
لنا في العراق شهيد؟ وهو كذلك، فنحن والعراقيون إخوان، مالقيني إنسان بعد هذه الفاجعة في بغداد إلا قال: «ما عسى أن يقول فينا المصريون؟»
فكنت أجيب: لن يقول المصريون فيكم شيئا يا أهل العراق، فتلك أقدار قضت بما قضت، ولا يثور على الأقدار إلا غافل أو مخبول.
أيها العراقيون
إن همومكم من همومنا، وأحزانكم من أحزاننا، وقد شاء الله أن يجمع بيننا وبينكم رباط من الحزن والدمع، وهو رباط وثيق، وقد تفردت مصر بأن يكون لها في أرضكم شهيد، فارعوا هذا العهد فهو أصدق العهود.
أيها العراقيون
ثقوا تمام الثقة بأننا نحبكم، ونعطف عليكم، ونتمنى لكم الخير والعافية.
ثقوا بأن مصر لا يؤذيها أن يموت في عاصمتكم أحد أبنائها الأوفياء.
ثقوا بأن مصر يسرها ويرضيها أن يقال إنها اتصلت بكم بسبب من الدماء.
أيها العراقيون
هل تذكرون قول شاعركم المتنبي؟
فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا
فأفعاله اللائي سررن ألوف
إن ذكرتم هذا البيت فنحن نذكر أنكم إن كنتم أسأتم إلى واحد فقد أحسنتم إلى ألوف، وما أسأتم إلى أحد منا، وإنما أساء شاب مسكين بكينا عليه حين رأينا أهله يصرخون ويولولون.
إن من الجريمة أن تنسب هذه الجريمة إلى أهل العراق.
هي جريمة فردية يسأل عنها جانيها المسكين الذي قتل نفسه بلا ترفق، هي سحابة صيف سيعقبها الصحو والصفاء.