ولو شئت لقلت إن من الشرف أن تكون صورتي شبيهة بصورة جمال الدين، فأنا أصنع مثل الذي كان يصنع، أنا أحاول التقريب بين الأمم العربية والإسلامية، ولكني مع ذلك أتوجع لجنايتي على شبابي، وأشارك الشاعر الذي يقول:
ليت الحوادث باعتني الذي أخذت
مني بحلمي الذي أعطت وتجريبي
أخي طاهر
كنت سمعت أنك نشأت في دمياط، فإن كان هذا صحيحا فخبرني كيف خانك الذوق؟
ألم أعاتبك مرتين على ما كتبت في مجلة «الهلال» يوم قلت إني أجمع بين نشاط الشبان وحكمة الشيوخ.
خذ ما عندي من الحكمة، وأعطني ما ضاع من شبابي.
أخي طاهر، ولو شئت لقلت إنك غريمي.
اسمع يا أخي ويا غريمي
لقد تركت دنيا شبابك بلا ورق وبلا أغصان، ولن تدخل مكانا إلا وقد وطئته قدماي، وباريس التي تتشوف إليها لن تجد فيها مكانا لم يضج أديمه وأنا أدوسه بعنفواني فانتقم مني كيف شئت، فقد سبقتك إلى دنيا الحب والمجد بعزائم الرجال.
وإن طاب لك أن تصر على الاختيال بشبابك فسأصارعك في ميدان الجزيرة يوم أعود، لتعرف أينا الشاب وأينا الكهل، ولكن متى أعود؟ حدثني متى أعود؟ فقد طال شوقي إليك وإلى الإخوان الذين أتحداهم بقوتي وعنفواني في دار الهلال.
الفصل الرابع والخمسون
| أحيتني بغداد
صديقي
تحيتي إليك وإلى السامرين السعداء في ملاعب القاهرة، وإلى الأصدقاء الكرام الذين رفعوا قدري بمزاحهم اللطيف في مجلات «الشباب والدنيا والإثنين وآخر ساعة والصباح» وتحيتي إلى مصر التي أمنحها البغض فتمنحني الحب.
وطني لو شغلت بالخلد عنه
نازعتني إليه في الخلد نفسي
أما بعد، فأنا أكتب هذه الكلمة والدمع في عيني، ولكن أي دمع؟ دمع السعداء، والسعداء يبكون كما يبكي الأشقياء.
أبكي من الفرح؛ لأني أخرجت كتابا في جزأين سيجعلني أبد الدهر على ألسنة أهل العراق.
أبكي من الفرح؛ لأن الله رعاني فكنت بفضل رعايته عند جميل الظنون، ومن الشرف الهائل أن يعرف قومي أني ظفرت بثقة الأكرمين من أهل العراق.
كان رؤسائي بوزارة المعارف المصرية يعرفون مذاهبي في الأدب والبيان، وكانوا يخشون أن أخلق لمصر أعداء في العراق، وقد نصحني الدكتور طه حسين بصدق وإخلاص، والدكتور طه - على حد تعبيره الجميل - أستاذي وزميلي وصديقي، ونصحني العشماوي بك، الرجل النبيل الذي يجعلني كرما ولطفا في منزلة ابنه رجاء، نصحني هذان الرجلان بالعقل، ونهياني عن مصاولة الأدباء في العراق.
فهر تراني انتصحت؟
لقد لزمت العقل أسبوعا واحدا، ثم أسلمت زمامي إلى الجنون.
وكيف لا يكون مجنونا من ينفق من الحبر أضعاف ما ينفق من الماء القراح؟
كيف لا يكون مجنونا من يحول تلاميذه إلى مؤلفين سينتهبون منه الميدان؟
كيف لا يكون مجنونا من يثير الناس عليه فلا يصبح ولا يمسى إلا وهو في حرب مع الجرائد والمجلات؟
ولكن الأعمال يا صديقي بالخواتيم، وليت أعمالي فيما بقى من دنياي تختم بمثل الذي ختمت به أعمالي في العراق.
لقد صاولت من صاولت، وعاديت من عاديت، ثم رجعت ورجعوا إلى كوثر الصفاء، وأي حظ أشرف وأفضل من أن يصرح أحد كبار الرجال بوزارة المعارف العراقية بأنه قرأ كتاب «عبقرية الشريف الرضي» في ليلة واحدة على ما فيه من الأبحاث الطوال، وعلى كثرة ما يعترض القارئ من غرائب الرموز ودقائق المعاني؟
إن الحب بين القارئ والمؤلف أمنية عزيزة في الأدب العربي، وقد أعانني الله فأبدعتها إبداعا، وإن طالت حياتي فسأقنع شبان العرب بأن أدبهم خليق بأن يشغلهم بأنفسهم وأهوائهم وأخلاقهم ومطامحهم، وأن أساتذتهم ليسوا أقل بصرا بالأدب والحياة من أساتذة السوربون.
لقد كوتني بغداد، ثم شفتني بغداد.
كوتني هذه المدينة، لأني عشت فيها محبوسا لا أدري أين أذهب، وقد تلطف الله فجعل للسيئات رقيبا واحدا، وأساءت بغداد فجعلت للسيئات ألف رقيب، وكذلك عشت فيها أسير الهواجس والوساوس فلم أنعم بغير الطيف، طيف الحب العذري بين ليلى وظمياء.