وبمناسبة الأستاذ محمود عزمي أذكر أنني رأيته يلبس القبعة في بغداد، فعرفت أنه غير موفق، وليتكم تسمحون بأن أسجل أنني رأيته من أهل الجمود، لأن ما يصلح لجو باريس قد لا يصلح لجو بغداد، ولي أصدقاء مصريون لم يعجبهم كلامي فتركوا رؤوسهم عارية فلزمتهم عقابيل من برد العراق ستصحبهم طول الحياة.
والسدارة العراقية لباس جميل، ولكنني «أكبسها» على رأسي بعنف لأتقي بها البرد، وأرجو أن أكون قدوة لسائر أهل العراق.
والله خلقنا بلا شعر ولا وبر ولا صوف، ولكنه منحنا شعر الرأس لينبهنا إلى أن الرأس يستحق الحفظ، ومن أجل هذا كان الإنسان هو الذي يغطي رأسه من بين سائر الحيوان، ومن جهل هذه الحقيقة فسيموت قبل أوان الموت.
وأذكر أيضا أن هذه السياسة العملية توجب أن أسأل عن طعام البلد الذي أعيش فيه، فأنا في مصر من عشاق الملوخية والخبيزة والبلح الأمهات وضأن المنوفية، وكنت في باريس لا أعشق غير الألوان الفرنسية، ولا أذكر ما أسماؤها لئلا يسيل لعابك، وأنا في بغداد لا أوثر غير الأطعمة الأصيلة في بغداد.
وكنت في مصر أعشق العيون العسلية، وفي باريس كنت أعشق العيون الزرق، وفي العراق أعشق عيون الظباء، يظهر أنك غاير مني، تعرف شغلك.
وكنت في باريس أهرب من المصريين، وأنا في بغداد أهرب من المصريين، وما أكره مصر ولا أهل مصر، وإنما أحب أن أعيش في باريس مع أهل باريس، وفي بغداد مع أهل بغداد، ولو انتقلت إلى المريخ لما رضيت بغير صحبة أهل المريخ.
أما بعد فهذا درس ينفع، ولكن أين من يسمع؟
هذا هو السر في أنني أحببت أهل العراق، وأحبني أهل العراق، وستمر أجيال وأجيال ولا ينسى أهل بغداد أن مدينتهم عاش فيها رجل أحبها أصدق الحب اسمه زكي مبارك.
الفصل الثالث والخمسون
| أهذا زكي مبارك أم هو جمال الأفغاني؟
أخي طاهر
اسمح لي أن أعتب عليك، فالعتاب صابون القلوب، كما يعبر أهل لبنان.
أنت طلبت مني صورتي بالسدارة، وقد راعيت معك الأدب، فلم أرسل إليك صورة شمسية، وإنما أرسلت إليك صورة رسمها السيد بهاء الدين الراوي أحد الفنانين بالعراق.
وإنما اهتممت بك لأسباب، أولها أنك صديق عزيز جدا، وإن كنت لا تعرف، وثانيها أنك موصل الأواصر بأصدقاء أعزاء منهم الأستاذ أميل زيدان والأستاذ فكري أباظة والأستاذ حسين شفيق، وثالثها أنك تقيم بحدائق القبة ذات الزهر والزيتون، ورابعها أنك تسير على قدميك في شارع قصر النيل وشارع فؤاد، وخامسها أنك تداعب الدكتور زكي مبارك من حين إلى حين.
ولكن هل تعرف أن مداعبتك الأخيرة كانت ثقيلة جدا؟
هل تعرف أنه ما كان يجوز لك أن تنشر صورتي وأنا طالب بالأزهر الشريف؟
ومعاذ الأدب أن أتنكر للأزهر وقد جلست على حصيره الممزق خمسة عشر عاما كما جلس محمد أبو شادي وإبراهيم الهلباوي وسعد زغلول، وهل يؤذيني أن أكون أزهري النشأة، وبفضل الأزهر وصلت إلى ما يعرف خصومي من التفوق في اللغة العربية، وبفضل الأزهر استطعت أن أصاول علماء النجف في بغداد؟
إنما آذاني وأرمضنى أن تذكرني بشبابي، فقد نشرت لي أربع صور في صفحة واحدة، كانت شاهدا على أني تنقلت رويدا رويدا من الشروق إلى الغروب.
واسمح لي مرة ثانية أن أصرح بأن حقدك على أخيك حقد قديم فأنت يا ظالم تريد أن تضيفني إلى طائفة الكهول، مع أني في نفسي وبشهادة ليلاي الغالية شاب رائع الشباب.
أكتب هذا وأنا أعرف أنك ستبتسم؛ لأن دسيستك جازت على قراء «الدنيا» وهي مجلة محبوبة لدي، لأني اشتركت في تحريرها مرات، ولأنها كانت أنيسي في طريقي إلى البصرة، وطن العلم والأدب والخيال.
إن الحقد له حدود يا طاهر، وكان الظن بذوقك أن تخفي عن قرائك صورتي يوم كنت طالبا بالأزهر الشريف، فهي صورة تشهد بأني كنت من أمراء الشباب، ولكن التعقيب بصورتي مسدرا في بغداد أزعجني، لأني رأيت أنني أصبحت شبيها بالمفكر العظيم السيد جمال الدين الأفغاني.