تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يشف عن الأسرار جسمي من الضنى

فيغدو بها معنى نحول عظامي

صريح هوى جاريت من لطفي الهوا

سحيرا فأنفاس النسيم لمامي

9

صحيح عليل فاطلبوني من الصبا

ففيها كما شاء النحول مقامي

خفيت ضنى حتى خفيت عن الضنى

وعن برء أسقامي وبرد أوامي

ولم يبق مني الحب غير كآبة

وحزن وتبريح وفرط سقام

ولم أدر من يدري مكاني سوى الهوى

وكتمان أسراري ورعى ذمامي

لينج خلي من هواي بنفسه

سليما ويا نفس اذهبي بسلام

والكلام عن الضنى والنحول كثير جدا في قصائد الشعراء، ولكن إمعان ابن الفارض في هذا المعنى جعله من خواصه الشعرية، وافتنانه فيه افتنان طريف تظهر طرافته لمن يتأمل كيف قصر الهوى على تعرف جسمه النحيل ... وليتذكر القارئ أن أكثر الشعر في النحول ليس إلا مظهرا من مظاهر الذكاء، وحظ العاطفة فيه قليل، فالحسين بن مطير يجعل جسمه أضعف من أن يهتز له عود الثمام فيقول:

فلو أن ما أبقيت مني معلق

بعود ثمام ما تأود عودها

والمتنبي يزعم أن جسمه لم يبق من آثاره غير الصوت فيقول:

كفى بجسمي نحولا أنني رجل

لولا مخاطبتي إياك لم ترني

وقد بلغ أحد المولدين غاية الظرف حين قال:

عادني ممرضي فلم ير مني

فوق فرش السقام شيئا يراه

قال لي: أين أنت قلت: التمسني

فبكى حين لم تجدني يداه

10

أما ابن الفارض فيجمع بين العاطفة والذكاء حين يتكلم عن النحول، ومن التجني أن نقول: إن قطعته الأخيرة ليست إلا براعة فنية في تلوين الخيال.

وابن الفارض يشارك جمهور الشعراء في الحديث عن طيف الخيال، ولكن صوره الشعرية في هذا الباب تمتاز بألوان من القلق الروحاني؛ لأنه يستصغر زيارة الطيف، وكان البحتري والمتنبي يريانها من متع الوصال، ولننظر هذه الأبيات التي يصف فيها الخيال بالإرجاف:

يا مانعي طيب المنام ومانحي

ثوب السقام به ووجدى المتلف

عطفا على رمقي وما أبقيت لي

من جسمي المضنى وقلبي المدنف

فالوجد باق والوصال مماطلي

والصبر فان واللقاء مسوفي

لم أخل من حسد عليك فلا تضع

سهري بتشييع الخيال المرجف

11

واسأل نجوم الليل هل زار الكرى

جفني وكيف يزور من لم يعرف

فهو يرى الطيف لا يروي الغليل، وقد ذهب إلى أبعد غايات الشره الروحاني؛ إذ قال:

وإذا اكتفى غيري بطيف خياله

فأنا الذي بوصاله لا أكتفي

ونراه في مكان آخر لا ينتظر طيف الحبيب في النوم، وإنما يتصيده وهو يقظان، ولننظر هذه الأبيات:

لك قرب مني ببعدك عني

وحنو وجدته في جفاكا

علم الشوق مقلتي سهر اللي

ل فصارت من غير نوم تراكا

حبذا ليلة بها صدت إسرا

ك وكان السهاد لي إشراكا

بات بدر التمام طيف محيا

ك لطرفي بيقظتي إذ حكاكا

فتراءيت في سواك لعين

بك قرت وما رأيت سواكا

وهذا الطيف أظرف الأطياف، والشاعر يحدثنا بأنه يرى في البعد قربا وفي الجفاء حنوا؛ لأن محبوبه يبعد ويجفو عن عمد، وتعمد الهجر صورة من صور الوصال، ثم يحدثنا بأنه يتخذ السهاد شركا يتصيد به طيف المحبوب، ثم ينظر إلى البدر فيرى فيه خيال محياه، ثم يهتف بهذا البيت:

فتراءيت في سواك لعين

بك قرت وما رأيت سواكا

ومن طريف ما تلفت إليه تعلقه بطيف الملام، حين يعز عليه طيف المنام؛ إذ يقول:

أدر ذكر من أهوى ولو بملام

فإن أحاديث الحبيب مدامي

ليشهد سمعي من أحب وإن نأى

بطيف ملام لا بطيف منام

فلي ذكرها يحلو على كل صيغة

وإن مزجوه عذلي بخصام

12

كأن عذولي بالوصال مبشري

وإن كنت لم أطمع برد سلام

فهو يتذوق اللوم ويتشهاه؛ لأنه يصله بصورة المحبوب، وهو في هذا مسبوق بقول دعبل:

أجد الملامة في هواك لذيذة

حبا لذكرك فليلمني اللوم

وهذا السبق لا يغض من فضل ابن الفارض؛ لأنه تناول المعنى بروح مغمور بصدق الإحساس، ودليل ذلك أنه يعود إلى هذا المعنى من حين إلى حين، كأن يقول في مخاطبة العذول:

أحسنت لي من حيث لا تدري وإن

كنت المسيء فأنت أعدل جائر

يدني الحبيب وإن تناءت داره

طيف الملام لطرف سمعي الساهر

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٩٩