يا ما أميلح كل ما يرضى به
ورضابه يا ما أحيلاه بفي
وكما يكثر عنده التصغير تكثر عبارة «لعمرك» وهي عبارة جاهللية فتن بها عمر بن أبي ربيعة فتنة شديدة، وأنس بها ابن الفارض.
ومما شارك فيه ابن الفارض معاصريه الغرام بالألغاز، واللغز ليس من الشعر في شيء، إنما هو نظم يراد به اختبار الذكاء؛ ولذلك نرى اللغز بعيدا عن فن ابن الفارض الذي يعتمد على الروح.
وألغازه من الوجهة النظمية منها الثقيل والمقبول، وقد راجعناها فلم نرض فيها عن شيء، ويكفي هذا الشاهد في الإلغاز بحلب:
ما بلدة في الشام قلب اسمها
تصحيفه أخرى بأرض العجم
وثلثه إن زال من قلبه
وجدته طيرا شجي النغم
وثلثه نصف وربع له
وربعه ثلثاه حين انقسم
ويمكن الرجوع في ديوانه إلى الصفحات 111-115، ففيها ما يكفي لتصوير هذا الجانب من فنونه النظمية.
وشارك معاصريه أيضا في الإشارات النحوية، وإن لم يسرف في ذلك، وحسبنا هذا الشاهد:
نصبا أكسبني الشوق كما
تكسب الأفعال نصبا لام كي
وقد جانس في هذا البيت بين النصب والنصب فلم يصل بما تكلف إلا إلى معنى هزيل.
وابن الفارض كأكثر الشعراء لا يعين اسم الحبيب، وإنما يدور حول طائفة من الأسماء، فهواه حينا عند سعاد كأن يقول:
ما شممت البشام إلا وأهدى
لفؤادي تحية من سعاد
7
وحينا عند رقي - مرخم رقية - كقوله في اليائية:
خاطب الخطب دع الدعوى فما
بالرقي ترقى إلى وصل رقي
وقد جرى اسم «ليلى» في شعره مرات كثيرة، ولكن أرق الأسماء عنده اسم «نعم» وهو يدور حوله بحنان:
إذا أنعمت نعم علي بنظرة
فلا أسعدت سعدى ولا أجملت جمل
ومن لم يجد في حب نعم بنفسه
ولو جاد بالدنيا إليه انتهى البخل
وقد ضرب بها المثل حين قال في وصف الراح:
ويطرب من لم يدرها عند ذكرها
كمشتاق نعم كلما ذكرت نعم
ويتفق له أن يجمع أسماء مختلفة في بيت واحد، كما جمع بين نعم وسعدى وجمل في البيت الذي مر آنفا، وكقوله في الجمع بين ريا وعتبة وسلمى:
عتب لم تعتب وسلمى أسلمت
وحمى أهل الحمى رؤية ري
ومثل هذا البيت يدل على أن الأسماء ليست عنده إلا إشارات مبهمة لما يرمز إليه في عالم الروح.
ولقب ابن الفارض عند الصوفية لقب طريف، وهو: «سلطان العاشقين»، وقد شهد لنفسه بهذه السلطنة الوجدانية في مواضع كثيرة، فجعل نفسه إمام العشاق، ومحبوبه إمام الملاح، حين قال:
كل من في حماك يهواك لكن
أنا وحدي بكل من في حماكا
8
فقت أهل الجمال حسنا وحسنى
فبهم فاقة إلى معناكا
يحشر العاشقون تحت لوائي
وجميع الملاح تحت لواكا
وهو معنى جيد انتهبه أحد الزجالين في العصر الحاضر وهو عزت صقر فقال:
أنا في العشاق أمير
وأنت في الحلوين ملك
وجعل نفسه قدوة للأولين والآخرين حين قال:
قل للذين تقدموا قبلي ومن
بعدي ومن أضحى لأشجاني يرى
عني خذوا وبي اقتدوا ولي اسمعوا
وتحدثوا بصبابتي بين الورى
وجعل المحبين جنده حين قال:
نسخت بحبي آية العشق من قبلي
فأهل الهوى جندي وحكمي على الكل
وكل فتى يهوى فإني إمامه
وإني بريء من فتى سامع العذل
وهو في هذا المعنى بصوره المختلفة مسبوق بالشاعر الذي ألهمه فن الحجازيات وهو الشريف الرضي حين قال:
وإني لمجلوب لي الشوق كلما
تنفس شاك أو تألم ذو وجد
تعرض رسل الشوق والركب هاجد
فتوقظني من بين نوامهم وحدي
وما شرب العشاق إلا بقيتي
ولا وردوا في الحب إلا على وردي
ولابن الفارض معان كلف بها كلفا شديدا، ودار حولها طويلا، وأظهر ما اهتم به وصف النحول، وقد عرض له بصور كثيرة منها المتكلف والمقبول، فتارة يحدثنا أنه ضني حتى خفي عن العواد فيقول:
خفيت ضنى حتى لقد ضل عائدي
وكيف ترى العواد من لا له ظل
وما عثرت عين على أثري ولم
تدع لي رسما في الهوى الأعين النجل
وتارة يحدثنا بأنه كان يخفي عن نفسه فيقول:
أخفيت حبكمو فأخفاني أسى
حتى لعمري كدت عني أختفي
وحينا يترفق فيذكر أن جسمه ضني حتى كاد يشف عما يضمر من أسرار الهوى، وأنه ما زال يضني بالنحول حتى خفي عن برء الأسقام وبرد الأوام، فيقول: