فكأن عذلك عيس من أحببته
قدمت علي وكان سمعي ناظري
وهو في هذه الأبيات يجعل السمع نظرا يرى به طيف الملام، والتكلف في هذه الصورة تكلف مقبول؛ ومن التكلف ما يقبل لأنه يمثل لنا أخص النواحي الوجدانية في ابن الفارض وهو شغفه باستحضار صورة المحبوب، ألسنا نراه يشطر وجوده شطرين يحسد أحدهما الآخر، ويجعل بصره يتمنى لو عاد سمعا لينعم بأخبار الحبيب؛ إذ يقول:
بعضي يغار عليك من بعضي ويح
سد باطني - إذ أنت فيه - ظاهري
13
ويود طرفي إن ذكرت بمجلس
لو عاد سمعا مصغيا لمسامري
واستحضار صورة المحبوب من أسرار العبقرية في شعر ابن الفارض فهو في أكثر شعره لا يشغلنا بنفسه كما يشغلنا بذلك الحبيب، وإنه ليرى روحه أصغر من أن تقدم هدية لمبشره بقدوم أهل هواه:
وحياتكم وحياتكم قسما وفي
عمري بغير حياتكم لم أحلف
لو أن روحي في يدي ووهبتها
لمبشري بقدومكم لم أنصف
وكل شيء في الوجود يمثل لروحه صورة الحبيب فهو يراه في ملامة العذال وفي لمع البرق، وفي نغمة العود والناي، وفي مسارح الظباء، وفي برد الصباح والأصيل، وفي مساقط الأنداء على بساط الأزهار، وفي أذيال النسيم، ويراه في ثغر الكأس وريق المدام، ولا قيمة للغربة ولا معنى للانزعاج ما دام في صحبة المحبوب:
تراه إن غاب عني كل جارحة
في كل معنى لطيف رائق بهج
في نغمة العود والناي الرخيم إذا
تألفا بين ألحان من الهزج
وفي مسارح غزلان الخمائل في
برد الأصائل والإصباح في البلج
وفي مساقط أنداء الغمام على
بساط نور من الأزهار منتسج
وفي مساحب أذيال النسيم إذا
أهدى إلي سحيرا أطيب الأرج
وفي التثامي ثغر الكأس مرتشفا
ريق المدامة في مستنزه فرج
14
لم أدر ما غربة الأوطان وهو معي
وخاطري أين كنا غير منزعج
وقد يقال: إن استحضار صورة المحبوب واضح في كل قصائد النسيب، وهذا صحيح، ولكنه في شعر ابن الفارض أوضح، والصبابة في تشبيبه تبلغ غاية القوة في كثير من الأحيان، ولا نغالي إذا قلنا: إن هذه الالتفاتة الوجدانية مما تفرد به ابن الفارض، أليس هو الذي يقول في قوة عاتية:
وقلت لرشدي والتنسك والتقى:
تخلوا وما بيني وبين الهوى خلوا
وفرغت قلبي عن وجودي مخلصا
لعلي في شغلي بها معها أخلو
أرأيتم كيف يسعى الشاعر لتفريغ قلبه عن وجوده الذاتي، ويقصر خطراته النفسية على الشغل بالمحبوبة عساه يظفر من ذلك بخلوة روحية؟
وانظروا كيف يبهركم وجه تلك المحبوبة وهو يمثل لكم لآلأه بهذه الأبيات:
جرى حبها مجرى دمي في مفاصلي
فأصبح لي عن كل شغل بها شغل
فنافس ببذل النفس فيها أخا الهوى
فإن قبلتها منك يا حبذا البذل
فمن لم يجد في حب نعم بنفسه
ولو جاد بالدنيا إليه انتهى البخل
ولولا مراعاة الصيانة غيرة
ولو كثروا أهل الصيانة أو قلوا
لقلت لعشاق الملاحة: أقبلوا
إليها على رأيي ومن غيرها ولوا
وإن ذكرت يوما فخروا لذكرها
سجودا وإن لاحت إلى وجهها صلوا
وفي حبها بعت السعادة بالشقا
ضلالا وعقلي عن هداي به عقل
15
ومن أجلها أسعى لمن بيننا سعى
وأعدو ولا أغدو لمن دأبه العذل
فأرتاح للواشين بيني وبينها
لتعلم ما ألقى وما عندها جهل
وأصبو إلى العذال حبا لذكرها
كأنهم ما بيننا في الهوى رسل
فإن حدثوا عنها فكلي مسامع
وكلي إن حدثتهم ألسن تتلو
تخالفت الأقوال فينا تباينا
برجم ظنون بيننا ما لها أصل
فشنع قوم بالوصال ولم تصل
وأرجف بالسلوان قوم ولم أسل
فما صدق التشنيع عنها لشقوتي
وقد كذبت عني الأراجيف والنقل
وكيف أرجي وصل من لو تصورت
حماها المنى وهما لضاقت بها السبل
وإن وعدت لم يلحق الفعل قولها
وإن أوعدت فالقول يسبقه الفعل
عديني بوصل وامطلي بنجازه
فعندي إذا صح الهوى حسن المطل
وحرمة عهد بيننا عنه لم أحل
وعقد بأيد بيننا ما له حل
لأنت علي غيظ النوى ورضا الهوى
لدي وقلبي ساعة منك ما يخلو
وهذه القطعة لا تحتاج إلى تعليق، وقد نقلناها على طولها لأهميتها في تأييد ما نقول به من غرام هذا الشاعر باستحضار صورة المحبوب، وهي في أنفسنا حية كل الحياة، ولا يرى فيها فتورا أو ركاكة إلا من يقصر وجدانه عن إدراك ما فيها من معاني الشوق والحنان.