تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أرج النسيم سرى من الزوراء

سحرا فأحيا ميت الأحياء

ففيها كثير من التكلف، ولكنها لا تخلو من قوة، ولننظر هذه الأبيات:

يا ساكني البطحاء هل من عودة

أحيا بها يا ساكني البطحاء

إن ينقضي صبري فليس بمنقض

وجدي القديم بكم ولا برحاني

ولئن جفا الوسمي ما حل تربكم

فمدامعي تربي على الأنواء

وا حسرتى ضاع الزمان ولم أفز

منكم أهيل مودتي بلقاء

ومتى يؤمل راحة من عمره

يومان يوم قلى ويوم تناء

وحياتكم يا أهل مكة وهي لي

قسم لقد كلفت بكم أحشائي

حبيكم في الناس أضحى مذهبي

وهواكم ديني وعقد ولائي

يا لائمي في حب من من أجله

قد جد بي وجدي وعز عزائي

هلا نهاك نهاك عن لوم امرئ

لم يلف غير منعم بشقاء

لو تدر فيم عذلتني لعذرتني

خفض عليك وخلني وبلائي

4

وهذا من الشعر المقبول، ولكن هذه القصيدة ختمت بأبيات أرجح أنها من وضع ذلك السبط الذي أراد أن يزيد ثروة جده فأساء، ولنقرأ هذه الأبيات:

واها على ذاك الزمان وما حوى

طيب المكان بغفلة الرقباء

أيام أرتع في ميادين المنى

جذلا وأرفل في ذيول حباء

ما أعجب الأيام توجب للفتى

منحا وتمنحه بسلب عطاء

يا هل لماضي عيشنا من عودة

يوما وأسمح بعده ببقاء

هيهات خاب السعي وانفصمت عرى

حبل المنى وانحل عقد رجائي

وكفى غراما أن أبيت متيما

شوقي أمامي والقضاء ورائي

والديباجة واحدة أو متقاربة، ولكن النفس يختلف اختلافا شديدا يدركه الذوق، وأخشى أن يكون تدخل ذلك السبط هو العلة في أكثر ما وقع في ديوان ابن الفارض من الإسفاف.

قلت: إن التكلف كان كثيرا في الشعر لعهد ابن الفارض، وكذلك تراه مفتونا بفنون البديع من توية وجناس وطباق، وإن لم يسرف في الشغف بتلك الفنون، وقد اتفق له مرة أن يمعن في التكلف، وذلك في قصيدته الذالية فإن قافية الذال صعبة جدا، ولا يقبل عليها الشعراء إلا متكلفين، والذي يراجع القوافي العربية يرى الشعراء لا يتخذون الذال قافية إلا في الأبيات والمقطوعات، ويراهم لا يقفون قصائدهم بالذال إلا في النادر القليل. أما ابن الفارض فقد بدا له أن يغرب، وأن يدل معاصريه على امتلاكه لناصية تلك القافية الشموس، فقال:

صد حمى ظمئي لماك لماذا

وهواك قلبي صار منه جذاذا

إن كان في تلفي رضاك صبابة

ولك البقاء وجدت فيه لذاذا

كبدي سلبت صحيحة فامنن على

رمقي بها ممنونة أفلاذا

5

يا راميا يرمي بسهم لحاظه

عن قوس حاجبه الحشا إنفاذا

أنى هجرت لهجر واش بي كمن

في لومه لؤم حكاه فهاذي

6

وعلي فيك من اعتدى في حجره

فقد اغتدى في حجره ملاذا

غير السلو تجده عندي لائمي

عمن حوى حسن الورى استحواذا

يا ما أميلحه رشا فيه حلا

تبديله حال الخلي بذاذا

أضحى بإحسان وحسن معطيا

لنفائس ولأنفس أخاذا

وما نحب أن ننقل القصيدة كاملة، ويكفي أن نشير إلى أنها تجاوزت الخمسين بيتا، فهي قصيدة طويلة، وطولها يشهد بما وقع فيها من التكلف. والشاعر حين يتخير قافية وعرة كقافية الذال يشغل عن المعاني، ويتجه فكره إلى البحث عن الألفاظ، ونحن نعرف كيف تجني مثل هذه المحاولة على الشاعر، وتصرف روحه عن الأجواء الشعرية، وتحوله إلى صفوف «الفعلة» بعد أن كان من الفنانين.

ومن الاتجاهات الفنية التي غلبت على ابن الفارض ميله إلى «التصغير»، وقد غلب عليه هذا الميل غلبة قوية بحيث نجد آثاره في جميع القضائد، فأهل الحي وأهل الود هم غالبا «أهيل الحي وأهيل الود»:

يا أهيل الود أنى تنكرو

ني كهلا بعد عرفاني فتى

وفي هذا البيت وحده تصغيران.

والظبي عنده ظبي:

هل سمعتم أو رأيتم أسدا

صاده لحظ مهاة أو ظبي

والهوى عنده هوي:

وضع الآسي بصدري كفه

قال ما لي حيلة في ذا الهوى

واللمى عنده لمي:

آه، وا شوقي لضاحي وجهها

وظما قلبي لذياك اللمي

وفي هذا البيت تصغيران.

والأرى عنده أري:

وأرى من ريحه الراح انتشت

وله من وله يعنو الأري

وفي هذه القافية وحدها تصغيرات كثيرة، وكذلك الحال في أكثر القصائد، وربما كان ابن الفارض أكثر من اهتموا بالتصغير بين شعراء اللغة العربية، وعند درس تصغيراته نراها مالت به أحيانا إلى التكلف أو الجناية على المعنى، كالذي وقع في تصغير الهوى والأرى، ولا يقف كلفه بالتصغير عند الأسماء، بل يتعداه إلى الإكثار من تصغير فعل التعجب، كقوله:

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٩٧