تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفرق بين حب المؤمن وحب الصوفي

ولكن هذا الحب تغلب عليه الصفة النفعية؛ فالمؤمن يحب الله - أي: يطيعه - ليدخل الجنة ويسلم من النار، وقد رأى الصوفية أن يجردوا الحب من الصفة النفعية فيجعلوه خالصا لذات الله، بغض النظر عن رجاء الثوب، والخوف من العقاب.

وهذا السمو الروحاني عاد على الأدب بأجزل النفع، فقد رويت عن المحبين أبيات وفقرات على جانب عظيم من الجمال، وانظروا هذه الأبيات:

لما علمت بأن قلبي فارغ

ممن سواك ملأته بهواكا

وملأت كلي منك حتى لم أدع

مني مكانا خاليا لسواكا

فالقلب فيك هيامه وغرامه

والنطق لا ينفك عن ذكراكا

والطرف حيث أجيله متلفتا

في كل شيء يجتلي معناكا

والسمع لا يصغي إلى متكلم

إلا إذا ما حدثوه بحلاكا

وحدثوا أن ذا النون قال: بينا أنا مار في شوارع مصر إذ رأيت جارية مسفرة بغير خمار، فقلت لها: يا جارية! أما تستحين أن تمشي بغير خمار؟ فقالت: يا ذا النون، ما يصنع الخمار، بوجه قد علاه الاصفرار؟ فقال ذو النون: ومن أي شيء علاه الاصفرار؟ قالت: من محنته. قلت: يا جارية! عساك تناولت شيئا من شراب القوم! فقالت: اسكت يا بطال! شربت بكأس وده ونمت مسرورة، فأصبحت بحب مولاي مخمورة. فقلت: يا جارية! عسى فائدة أنتفع بها منك، أو وصية أرويها عنك؟ فقالت: يا ذا النون عليك بالسكوت، حتى يتوهموا أنك مبهوت، وارض من الله بالقوت، يبن لك بيتا في الجنة من ياقوت، ثم أنشدت:

تهتك ولا تخش في الحب عارا

وإياك إياك تبدي استتارا

وبادر إلى الباب مع فتية

لهم في الظلام عيون سهارى

وإن خفت عند المسير الضلال

فوجه حبيبك يهدي الحيارى

1

وورود اسم «الجنة» في هذا الحديث لا ينفي صدق الحب؛ لأن الجنة في أكثر كلامهم إنما هي رمز لمعنى الرضوان في الحب.

وأصرح من هذه القصة ما حدث ذو النون: بينما أسير في أنطاكية إذا أنا بجارية كأنها مجنونة، وعليها جبة صوف، فسلمت عليها فردت علي السلام ثم قالت: ألست ذا النون المصري؟ فقلت: عافاك الله، كيف عرفتني؟ فقالت: عرفتك بمعرفة حب الحبيب ! ثم قالت: أسألك عن مسألة. قلت: سلي. قالت: أي شيء السخاء؟ قلت: البذل والعطاء. قالت: هذا السخاء في الدنيا، فما السخاء في الدين؟ قلت: المسارعة في طاعة رب العالمين. قالت: إذا سارعت إلى طاعة المولى فهو أن يطلع على قلبك وأنت لا تريد منه شيئا، ويحك يا ذا النون إني أريد أن أطلب منه شيئا منذ عشرين سنة فأستحيي منه مخافة أن أكون كأجير السوء، إذا عمل طلب الأجرة، ولكن أعمل تعظيما لهيبته وعز جلاله.

2

فهذه المرأة الصالحة جعلت انتظار الثواب مما يقدح في أعمال الطائعين.

شواهد من أدب الحب

وقد تكلم الصوفية في الفرق بين المعرفة والمحبة، فقال قائل منهم: المحبة سكر لا يصحو صاحبه إلا بمشاهدة محبوبه. وقال المحققون: المحبة استهلاك في لذة، والمعرفة شهود في حيرة، وفناء في هيبة.

3

وجرت مسألة المحبة بمكة أيام الموسم فتكلم فيها الشيوخ، وكان الجنيد أصغرهم سنا فقالوا له: هات ما عندك يا عراقي! فأطرق رأسه ودمعت عيناه ثم قال: عبد ذاهب عن نفسه، متصل بذكر ربه، قائم بأداء حقوقه، ناظر إليه بقلبه، أحرق قلبه أنوار هيبته، وصفى شربه من كأس وده، وانكشف له الجبار من أستار غيبه؛ فإن تكلم فبالله، وإن نطق فمن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكن فمع الله، فهو بالله ولله ومع الله.

4

إشارة إلى أعلام المحبين

وقد صرح الصوفية بأن الغاية من الجنة هي القرب، فقال أبو يزيد: لو أن الله سبحانه حجب أهل الجنة عن رؤيته لاستغاثوا من الجنة كما يستغيث أهل النار من النار.

5

وهم يرون أن الشوق لا نهاية له؛ لأن أمر الحق لا نهاية له، فما من حال يبلغها المحب إلا ويعلم أن وراء ذلك ما هو أوفى وأتم.

5

قبة سلطان العاشقين عمر بن الفارض.

والواقع أن أهل الحقيقة تكلموا جميعا في الحب؛ لأن هذه الحال هي الفيصل بينهم وبين أهل الشريعة الذين يعبدون الله طمعا في الثواب وخوفا من العقاب، ولا يستقيم حال المتصوف إلا إن خلص من دنياه وأخراه فلا يكون له مأرب غير لقاء الحبيب.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٩٤