تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أبيات من شعر ابن العريف تمثل وقدة الشوق

إلى هنا عرف القارئ كيف نشأ الإغراق في مدح الرسول، فهو قائم على أساس القول بوحدة الوجود، وقد صح عندي بعد التأمل الذي دام بضع سنين أن الصوفية أرادوا أن ينتهبوا شخصية المسيح؛ ليضفوا ثوبها على نبي الإسلام: فإذا كان المسيح ابن الله كما يزعم النصارى فمحمد أرفع من ذلك؛ لأنه محمدا يقدر على كل شيء، وهو أصل الوجود، ولولاه لما ظهر عن الله شيء، وقد اتفق لابن عربي أن يحكم بأن محمدا يستريح إلى من يقول:

والله لولا أنت ما اهتدينا

ولا تصدقنا ولا صلينا

ثم يقول ابن عربي: «فنحن به وإليه، فإذا نظرنا إلى ذواتنا وإمكاننا فقد خرجنا عنه، وإمكاننا يطلبنا بالنظر إليه، فإنه الموجد لنا بوجوده من وجوده» وقد عرضنا لهذه العبارة من قبل، ورجحنا أن الضمير عائد على الله، ولكن يظهر أن ذلك الترجيح لا يقوم عليه دليل من روح ذلك الفيلسوف.

والواقع أن «الحقيقة المحمدية» أسطورة من الأساطير، وهي في رأينا مسروقة من النظرية النصرانية، كما أن النظرية النصرانية مسروقة من الفلسفة اليونانية التي تقسم القوى إلى «عقول».

وهذا الحكم يبدو غريبا كل الغرابة، فأين الصوفية من فلسفة اليونان؟ ولكن من يتعقب النظريات الفلسفية كما تعقبت لا يستغرب ولا يستعجب، فقد كانت عند اليونان والمصريين أوهام نقلها الصوفية من حيث يشعرون أو لا يشعرون، كان اليونان يرون لكل قوة من القوى إلها، وكان المصريون الوثنيون يعتقدون أن الشمس يحملها إله أو ملك فينقلها من المشرق إلى المغرب، وهذه العقيدة المصرية الوثنية نقلت إلى التصوف المصري الإسلامي، فقد كان أهل مصر المسلمون يعتقدون أن «الأولياء» يكلفون أحيانا بجر الشمس، وكان يصح للصوفي أن يعتذر عن إخلاف الميعاد بأن دوره كان حل في جر الشمس.

17

والملائكة عند المسلين لهم مناطق اختصاص، وهذه المناطق تذكر بما كان للآلهة عند اليونان .

والمهم هو أن ننص صراحة على أن نظرية وحدة الوجود أراد بها الصوفية أن يعطوا الحقيقة المحمدية أضعاف ما ادعاه النصارى للحقيقة العيسوية. والصوفية من الجانب النظري والعملي هم رهبان المسلمين.

هل نقلت الحقيقة المحمدية عن الحقيقة العيسوية؟

وقد عرض ابن القيم لأصحاب نظرية وحدة الوجود فسماهم «ملاحدة»، وقد قامت نظريتهم على أن العبد من أفعال الله وأفعال الله من صفاته، وصفاته من ذاته، ويقول ابن القيم: إن العبد من مفعولات الله لا من أفعاله القائمة بذاته، ومفعولاته آثار أفعاله، وأفعاله من صفاته القائمة بذاته، فذاته مستلزمة لصفاته وأفعاله، ومفعولاته منفصلة عنه، فهي من المخلوقات المحدثات.

18

وما يهمنا أن يكون ابن القيم على حق في نقض النظرية الصوفية، نظرية وحدة الوجود، فستظل على الدهر من المعضلات، وإنما يهمنا أن ننص على أن هذه النظرية لها في الفلسفة القديمة والديانات القديمة أصول.

ويهمنا قبل كل شيء وبعد كل شيء أن يعرف القارئ كيف نشأ الإغراق في المدائح النبوية.

فإن رآنا القارئ من الموفقين فذلك ما نبغيه، وإلا فقد هديناه إلى أسرار لم يهتد إليها أحد من الباحثين قبل اليوم. والأول قد يترك للآخر أشياء.

| الهيام في حب الله

قدم هذه النزعة في حياة المتبتلين

حب العبد ربه من صفات المتبتلين، وهذه النزعة الروحية سبقت الإسلام بأزمان، ويروون أن داود كان يقول:

اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، والعمل الذي يبلغني حبك، اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد.

وقد ورد هذا المعنى في القرآن

يحبهم ويحبونه ،

قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله .

وروي عن الرسول أنه قال:

من أحب الله فليحبني، ومن أحبني فليحب أصحابي، ومن أحب أصحابي فليحب القرآن، ومن أحب القرآن فليحب المساجد؛ فإنها أبنية أذن الله تعالى برفعها وتطهيرها، وبارك فيها فهي ميمونة ميمون أهلها، فهم في صلاتهم والله تعالى في حوائجهم، وهم في مساجدهم والله تعالى في نجح مقاصدهم.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٩٣