تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأشهر من عرفوا بالحب رابعة العدوية، ولها أخبار طوال، وقد نشر عنها الأستاذ نصطفى عبد الرازق بحثا في مجلة المعرفة منذ سنين، وهي التي تقول:

إني جعلتك في الفؤاد محدثي

وأبحت جسمي من أراد جلوسي

فالجسم مني للجليس مؤانس

وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي

والتي تقول:

أحبك حبين حب الهوى

وحبا لأنك أهل لذاكا

فأما الذي هو حب الهوى

فشغلي بذكرك عمن سواكا

وأما الذي أنت أهل له

فكشفك للحجب حتى أراكا

فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي

ولكن لك الحمد في ذا وذاكا

ومن أشهر من تكلموا في الحب سمنون الذي سموه «سمنون الحب»، والذي حدثوا أن الطير كانت تسقط عن الشجر حين تسمع كلامه في الحب.

ومنهم ذو النون الذي كان يتكلم في الحب فيموج مجلسه بالصارخين والباكين.

وما نريد أن نستقصي أخبار من تكلموا في الحب أو نظموا في الحب من الصوفية فذلك باب يطول، ويكفي أن نتكلم عن الشاعر المحب عمر بن الفارض الذي سموه سلطان العاشقين:

كل من في حماك يهواك لكن

أنا وحدي بكل من في حماكا

| أشواق ابن الفارض

حياة ابن الفارض

ولد أبو حفص عمر بن الفارض بالقاهرة في الرابع من ذي القعدة سنة 576، وتوفي بها في اليوم الثاني من جمادى الأولى سنة 632 وهو في الأصل من أسرة حموية، ولهذا الأصل أهمية في طبع ذلك الشاعر؛ فأهل الشام في الأدب القديم تغلب عليهم رقة الطبع، ولهم شغف بصور الجمال، ونزعتهم الغزلية فيها لين يندر مثله في مصر والعراق، وهذا الذي نقول به استوحيناه مما قرأنا لشعراء الشام في المعاني الحسية والوجدانية، وقد سبقنا إلى هذا الحكم أبو بكر الخوارزمي إذ قال منذ عشرة قرون:

ما فتق قلبي، وشحذ فهمي، وصقل ذهني، وأرهف حد لساني، وبلغ بي هذا المبلغ؛ إلا تلك الطرائف الشامية، واللطائف الحلبية، التي علقت بحفظي وامتزجت بأجزاء نفسي.

1

والحق أن ابن الفارض شخصية فريدة بين شعراء مصر، وقد اشتركت في تكوينه ثلاث بقاع : الشام وفيها أصله، والحجاز وإليه حنينه، ومصر وفيها مقامه. فهو شاعر مصر والشام والحجاز، وله في هذه الأقطار الثلاثة محبون يرونه مترجما لأدق ما يضمرون من نوازع القلب والوجدان.

غرامه

وابن الفارض مدين بخلود شعره إلى نزعته الصوفية، ولولا التصوف لانطمس ذكره منذ زمان؛ لأن له في فنون الشعرية أساتذة لا يشق لهم غبار: فله في الخمريات منازع خطير هو أبو نواس، وله في الحنين إلى الحجاز إمام لا نظير له ولا مثيل: هو الشريف الرضي،

2

وله في الصبابة سيد هو العباس بن الأحنف، وما يكاد شعر ابن الفارض يخرج عن الصبابة والحنين والخمريات.

فالمعاني الرمزية عند ابن الفارض هي السر في إقبال الناس على شعره، ولولا ذلك لانصرفوا عنه، ورأوه أخف من أن ينصب له ميزان.

وفي رأيي أن العناية بشعر ابن الفارض كانت فاتحة جديدة في وزن المعاني بعد أن ظل الناس أزمانا طوالا يحرصون قبل كل شيء على وزن الألفاظ، وهو من وجهة الديباجة وقوة السبك شاعر ضعيف، ولكنه من حيث المعاني فحل من الفحول؛ لأنه استطاع الجمع بين الحقيقة والخيال، والحقيقة عند هذا الشاعر هي الصورة الروحية، أما الخيال فهو الصورة الحسية التي رمز بها إلى المعنويات.

ويمتاز ابن الفارض بقوة الروح، وحسبنا أن نذكر أنه ألهم في منامه هذين البيتين:

وحياة أشواقي إلي

ك وحرمة الصبر الجميل

ما استحسنت عيني سوا

ك ولا صبوت إلى خليل

وهذان البيتان لا خطر لهما عند من يحفلون بجزالة الألفاظ، ولكنهما على جانب عظيم من القوة عند من يؤثرون المعاني، وهل في الحب أجل وأشرف من توحيد المحبوب؟ إن الشاعر يقسم بأشواقه وبحرمة الصبر الجميل - وهو قسم لو تعلمون عظيم - يقسم أن عينه ما استحسنت سوى محبوبه، وأن قلبه ما صبا إلى محبوب سواه، وقوة المعنى والروح ظاهرة في هذين البيتين ظهورا قويا.

والنفس قد تلهج في عالم الأحلام بمعان شتى، فليس من الكثير أن يلهج ابن الفارض في نومه بالمعاني الشعرية، ولكن الكثير أن يتفق لعقله الباطن ألا يتحدث بغير توحيد المحبوب، وتلك شارة الصدق، والصدق هو الدعامة الأولى لقوة الروح.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٩٥