تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هل الديانات كلها حق؟

وإنما عرضنا لهذا التسامح لنبين أثره في المدائح النبوية: فالصوفية لا يمدحون محمدا وحده في جميع الأحوال بل يتفق لهم في أحيان كثيرة أن يثنوا على سائر الأنبياء.

وأشهر من صنع ذلك من الصوفية ابن عربي: فله قصائد في مدح إدريس ومدح موسى ومدح هارون، وإليك هذا الشاهد فيما سماه «الروح الأحمر الهاروني»:

هذا الخليفة هذا السيد العلم

هذا المقام وهذا الركن والحرم

ساد الأنام ولم تظهر سيادته

لما بدا العجل للأبصار والصنم

ما زال يردع قوما همهم أبدا

في نيل ما ناله موسى وما علموا

أن البيان حرام كلما نظرت

عين البصيرة شيئا أصله عدم

وفي ديوان ابن عربي أبيات قالها «وقد سمع قول رسول الله

صلى الله عليه وسلم

في قربه من ربه: لا تفضلوني على يونس بن متى، تنزيها لجناب الحق عن التحديد في قوله تعالى: «وهو معكم أينما كنتم».

14

والأرجح أن هذه الديباجة من وضع ابن عربي نفسه، فإن كانت كذلك فهي شاهد على أنه كان في بعض أحواله لا يجعل الحقيقة المحمدية كل شيء.

ولعله قصد إلى هذا المعنى في إحدى قصائده الرمزية إذ يقول:

ألا يا حمامات الأرائك والبان

ترفقن لا تضعفن بالشجو أشجاني

15

ترفقن لا تسهرن بالنوح والبكا

خفي صباباتي ومكنون أشجاني

أطارحها عند الأصيل وبالضحى

بحنة مشتاق وأنة هيمان

تناوحت الأرواح في غيضة الصبا

فمالت بأفنان علي فأفناني

16

وجاءت من الشوق المبرح والجوى

ومن طرف البلوى إلي بأفنان

فمن لي بجمع والمحصب من منى

ومن لي بذات الأثل من لي بنعمان

تطوف بقلبي ساعة بعد ساعة

لوجد وتبريح وتلثم أركاني

كما طاف خير الرسل بالكعبة التي

يقول دليل العقل فيها بنقصان

وقبل أحجارا بها وهو ناطق

وأين مقام البيت من قدر إنسان

فكم عهدت أن لا تحول وأقسمت

وليس لمخضوب وفاء بأيمان

ومن عجب الأشياء ظبي مبرقع

يشير بعناب ويومي بأجفان

ومرعاه ما بين الترائب والحشا

فيا عجبا من روضة وسط نيران

لقد صار قلبي قابلا كل صورة

فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف

وألواح توارة ومصحف قرآن

أدين بدين الحب أنى توجهت

ركائبه فالحب ديني وإيماني

كيف مدح الصوفية سائر الأنبياء

وانجذاب الصوفية إلى المعنى الذي لمحوه في الحقيقة المحمدية قد أفاض عليهم آيات من الأشعار الرمزية، ومن أطيب ما قرأت في ذلك قصيدة محمد البكري التي حن فيها إلى «الوتر» وهو رمز إلى الله أو إلى الرسول، ولكن التعبير عنه بالحبيب يعين أنه يريد به الرسول، وإن كان في هذا التعيين اعتساف:

حدث عن الوتر أيها الوتر

من فاته الخبر سره الخبر

وهات عن ليلة مقدسة

طابت فعندي جميعها سحر

وقل كما شئت إن لي أذنا

تتلى عليها بلحنك السور

مصغية للحبيب يسمعها

آيات حق لم تسمع البشر

يا وترا حركته غانية

لا وأبي ليس ذاك يا وتر

قد أودع الوتر فيك حكمته

فمنه لا منك تطرب الفطر

الرمزيات في مدح الرسول

واهتمام الصوفية بمدح الرسول كان له أثر بليغ في الأدب، والقارئ يستطيع الرجوع إلى كتاب (المدائح النبوية) الذي نشرناه في السنة الماضية ليرى كيف مدح الرسول أولا على الطرائق الجاهلية، وكيف انتقل هذا الفن إلى التشيع، وكيف عاد مدحا خالصا للرسول، وكيف صار بعد ذلك فنا أدبيا صرفا تقيد به ضروب الزخرف باسم البديعيات، وأثر ذلك كله في نشر الثقافة الأدبية.

وكان يتفق أن تغلب على المادحين وقدة الشوق كما نرى في قول ابن العريف:

شدوا المطايا وقد نالوا المنى بمنى

وكلهم بأليم الشوق قد باحا

سارت ركائبهم تندى روائحها

طيبا بما طاب ذاك الوفد أشباحا

نسيم قرب النبي المصطفى لهم

روح إذا شربوا من ذكره راحا

يا سائرين إلى المختار من مضر

سرتم جسوما وسرنا نحن أرواحا

إنا أقمنا على عجز ومعذرة

ومن أقام على عجز كمن راحا

والشطر الثاني من البيت الرابع هو بيت القصيد.

وكان أهل الأندلس من أرق الناس شوقا إلى زيارة الرسول؛ لأن بعد المزار غزا قلوبهم بأقباس الحنين.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٩٢