تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

10

وحدثنا أيضا أن رجلا جاء إلى المصطفى فقال له: أنت سيد قريش. فقال: السيد الله. قال: أنت أعظمها طولا، وأعلاها قولا، فقال الرسول: يا أيها الناس، قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا عبد الله ورسوله.

طيف التثليث

والواقع أنه لا سناد لهذه النظرية من شرع ولا عقل، فالشرع يحكم بأن محمدا مخلوق اصطفاه الله لتبليغ رسالته، والعقل لا يوجب أن يكون تسلسل الموجودات على هذا النظام الذي يقضي بأن الذات الأحدية صدرت عنها الحقيقة المحمدية، وأن تلك الحقيقة هي الواسطة بين الله وبين جميع ما ظهر من صنوف لموجودات.

لا يهمنا في هذا الفصل أن نستند إلى الشرع أو العقل، وإنما يهمنا أن نفهم النظرية الصوفية كما وضعها أصحابها لنعرف كيف نشأ الغلو في المدائح النبوية.

ولا بأس من أن نحاول معرفة كيف نشأ هذا النظام الغريب، والظاهر أن الصوفية يحرصون كل الحرص على أحدية الذات، فهم لذلك ينفون عنها كل فعل، وينقلون الأفعال كلها إلى الكلمات، أي: الأنبياء، ولما كان الصوفية عندنا مسلمين كان من همهم أن يجعلوا الكلمة المحمدية أصل الكلمات وروح الوجود.

ولا ينتظر القارئ أن نقدم له صورة شافية كافية لهذا النظام، فالصوفية أنفسهم يدورون حوله في التواء عجيب، ويكفي أن نقول: إن هذه الأخيلة جعلتهم يحلقون في أجواء شعرية، ويتمثلون الوجود مربوطا بالحقيقة المحمدية أوثق رباط.

والذي يتسع وقته لقراءة كتاب الفتوحات من الألف إلى الياء يرى كيف أمكن أن يكون هذا النظام مجالا للرياضة في ألوف من المحتملات والفروض.

لا يهمنا، كما قلت، أن نطمئن إلى صحة تلك المذاهب، وإنما يهمنا أن نعرف أن الصوفية يجعلون محمدا أصل الوجود: لأنه أول تعين للذات الأحدية. ومن هنا صح لمادحي الرسول أن يقضوا بأنه لولاه ما كان شمس، ولا قمر، ولا نجم، ولا أرض، ولا سماء ، ولا جماد، ولا حيوان، ولا إنسان، ولا بحار، ولا أنهار، ولا جبال.

ومن هنا أيضا صح لهم أن يحكموا بأن جميع الأنبياء إنما هم من نور ذلك الرسول كما قال البوصيري في البردة:

وكل آي أتى الرسل الكرام بها

فإنما اتصلت من نوره بهم

وكما قال في الهمزية:

كيف ترقى رقيك الأنبياء

يا سماء ما طاولتها سماء

لم يساووك في علاك وقد حا

ل سنا منك دونهم وسناء

إنما مثلوا صفاتك للنا

س كما مثل النجوم الماء

وقول البوصيري في البردة:

دع ما ادعته النصارى في نبيهم

وقلت بما شئت مدحا فيه واحتكم

فيه انحراف عن هذه النظرية - لأن ما ادعاه النصارى لعيسى عين ما ادعاه الصوفية لمحمد - فعيسى عند النصارى رب، ولكن له أب هو رب الأرباب، وكذلك محمد هو عند الصوفية رب له أصل هو الذات الأحدية.

11

ومن العجيب أن نظرية التثليث لا تبدو شيئا خطرا عند الصوفية، فهم يقولون بها في غير تهيب ولا إشفاق، وإن كان لها عندهم وضع آخر يتمثل في الأوجه المختلفة لشخصية المسيح، فمن نظر في عيسى من حيث صورته للبشرية الإنسانية فهو ابن مريم، ومن نظر فيه من حيث الصورة الممثلة البشرية فهو منسوب إلى جبريل، ومن نظر فيه من حيث إحياء الموتى فهو منسوب إلى الله بالروحية «فهو كلمة الله وهو روح الله وهو عبد الله»

12

ففيه من الإنسانية جزء، وله من الملكية نصيب، وله من الألوهية خلاق.

بل هم يذهبون في التسامح إلى أبعد من ذلك فيحكمون بأن الديانات كلها حق، وما اختلفت صور سلوك طريق الحق إلا لاختلاف استعدادات الأمم، وفي ذلك يقول القاشاني:

فطريق نزول الحكم إلى الأنبياء واحد، والمراد منه هو الهداية إلى طريق الحق، فطريق التوحيد واحد، ولكن استعدادات الأمم اقتضت اختلاف الملل والنحل، فإن إصلاح كل أمة يكون بإزالة فساد يختص بها، وهدايتهم إنما تكون من مراكزهم ومراتبهم المختلفة بحسب طباعهم ونفوسهم.

13

ومعنى ذلك أن النبوات محلية، والديانات محلية، فلا يكون لجميع الناس في مختلف البلاد نبي واحد، وهذه النظرة على جانب من الدقة. ولكن الصوفية سكتوا عن الرسالة المحمدية؛ لأن المفهوم عندهم أن محمدا هو الحكمة الفردية التي نشأ عنها كل موجود.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٩١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٩١