وقد حام حول هذه النظرية كثير من أقطاب الصوفية، منهم محمد البكري الذي يقول:
قبضة النور من قديم أرتنا
في جميع الشئون قبضا وبسطا
وهي أصل لكل أصل تبدى
بسطت فضلها على الكون بسطا
وهي وتر قد أظهرت عدد الشفع
بعلم فجل حصرا وضبطا
ولدت شكلها فأنتج شكلا
بشريا أقام للعدل قسطا
وهو عبد قد حررته لديها
بيديها وكم أفاد وأعطى
حققته بحقها فهو حق
جاء بالحق ينظم الخلق سمطا
لنقوش النفوس حقق والرو
ح أرته في اللوح شكلا ونقطا
عالم منه آدم علم السر
وعلم الأشياء رسما وخطا
هي ناسوت أنسنا والهيولا
شمس سر الوجود بكر وشمطا
طلسم حارت العقول عليه
كنز بحر قد شط في الدرك شطا
إن شهدناه في الجمال شهدنا
لجميل غدا له الحسن مرطا
أو نظرناه في الجلال رأينا
أسدا فاتكا من الأسد أسطا
تاج فضل له الجحاجح دانت
وإليه رأس المفاخر وطى
كل شيء معناه والكل منه
وعليه مبناه ما اختل شرطا
واحد الشخص وهو مختلف الجنس
يقينا من أنكر الحال أخطا
وهذه الطائية خمسها النابلسي
6
وحدثنا أنه شرحها ولكنا لم نظفر بذلك الشرح، وقد عارضها بقصيدة رمزية تنتهي إلى هذه الغاية ومنها هذه الأبيات:
يا قريب اللقا بعيد التجافي
لم توافي رهطا وتهجر رهطا
نحن هدنا إليك ممن سواك الآ
ن فاجعل لنا من الأمر قسطا
وتدارك نواظرا وقلوبا
أعجمتها الأوهام شكلا ونقطا
إنما أنت أنت والحكم شيء
منك وهو الجميع عدا وضبطا
دخل القلب دير عشق سليمى
يحتسى من لقائها الاسفنطا
فرأى ثم نسوة طالعات
عن بحار الجمال يسكن شطا
ناظرات من الظبا بعيون
ناعسات من البواتر أسطا
في قدود كأنهن رماح
جعلت قتل من بها هام شرطا
كل هيفاء ينفح الطيب منها
كيف كانت تجول رفعا وحطا
أمر الله أن تطاع بحسن
راسم بالغرام في القلب خطا
بدر تم على قضيب تثنى
في كثيب بها عن المشي أبطا
هي شمس الضحى وبدر الدياجي
قد فنينا بها رضاء وسخطا
ثغرها بث عن صحيح البخاري
وأنا مسلم وقلبي موطا
وإلى هذه الغاية ذهب إبراهيم الدسوقي حين قال:
يقولون لي: ما العلم ما السر ما الذي
هو الجوهر الغالي عن البحر خبرنا؟
فقلت لهم: هذي مطالع نورنا
ومغربها فينا ومشرقها منا
على الدرة البيضاء كان اجتماعنا
ومن قبل خلق الخلق والعرش قد كنا
تركنا البحار الزاخرات وراءنا
فمن أين تدري الناس أين توجهنا
والدرة البيضاء هي العقل الأول كما نص ابن عربي في اصطلاحات الصوفية.
7
هل لهذه النظرية أصل من العقل أو الشرع
وقد أفصح عن هذه النظرية ابن مشيش في صلاته، وابن مشيش هذا من أقطاب الشاذلية، وصلاته معروفة جدا، يقرءها ألوف الألوف في الصباح والمساء، وقد قرأتها مع «الإخوان» أكثر من ألف مرة، يوم كنت من المهتدين، وهي تنص على أن محمدا أصل كل موجود، ولننظر كيف يقول ابن مشيش:
اللهم صل على من منه انشقت الأسرار، وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق، وتنزلت علوم آدم بأعجز الخلائق، وله تضاءلت الفهوم فلم يدركه سابق ولا لاحق، فرياض الملكوت بزهر جماله مونقة، وحياض الجبروت بفيض أنواره متدفقة، ولا شيء إلا هو به منوط، إذا لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط.
8
والواسطة هو محمد والموسوط الأشياء والناس ... ومن الذين أفصحوا عن هذه النظرية مصطفى البكري في «ورد السحر» إذ يقول:
اللهم صل وسلم وبارك على من تشرفت به جميع الأكوان، وصل وسلم وبارك على سيدنا محمد الذي أظهرت به معالم العرفان، وصل وسلم وبارك على عين الأعيان والسبب في وجود كل إنسان.
9
وعبارة «عين الأعيان والسبب في وجود كل إنسان» هي النظرية التي تجعل محمدا أصل الوجود.
مكانة الأنبياء من الرسول
ومن الخير أن ننص على أن هذا الشطط استند فيه الصوفية إلى حديث «أنا سيد الناس» وهو حديث شك فيه العلماء، فقد جاء في كتاب العجلوني المسمى «كشف الخفاء والالتباس، عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس». أن الحسن بن علي روى أن الرسول قال: «أدع لي سيد العرب» يعني عليا، فقالت له عائشة: ألست سيد العرب؟ فقال: أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب. ثم حدثنا العجلوني أن الذهبي يجنح إلى الحكم على هذا الحديث بالوضع.