تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإنه شمس فضل هم كواكبها

يظهرن أنوارها للناس في الظلم

شرح الحقيقة المحمدية

وهذا الغلو لا يفهم إلا إذا عرفنا أنه يرجع إلى أصل من أصول التصوف، وهو القول بالحقيقة المحمدية، والحقيقة المحمدية هي العماد الذي قامت عليه (قبة الوجود) كما عبر ابن عربي، هي صلة الوصل بين الله والناس، فهي القوة المدبرة التي يصدر عنها كل شيء. ولنعط الكلمة لابن عربي ليشرح هذه النقطة من المذهب الصوفي:

اعلم أن الله لما خلق الخلق جعلهم أصنافا، وجعل في كل صنف خيارا، واختار من الخيار خواص وهم المؤمنون، واختار من المؤمنين خواص وهم الأولياء واختار من هؤلاء الخواص خلاصة وهم الأنبياء؛ واختار من الخلاصة نقاوة وهم أنبياء الشرائع المقصورة عليهم. واختار من النقاوة شرذمة قليلين هم صفاء النقاوة المروقة وهم الرسل أجمعهم، واصطفى واحدا من خلقه هو منهم، وليس منهم

2

هو المهيمن على جميع الخلائق جعله الله عمدا أقام عليه قبة الوجود، وجعله الله أعلا المظاهر وأسناها، صح له المقام تعيينا وتعريفا، فعلمه قبل وجود طينة البشر وهو محمد

صلى الله عليه وسلم

لا يكاثر ولا يقاوم، هو السيد ومن سواه سوقة.

3

فابن عربي يحكم بأن محمدا «هو من الناس وليس من الناس» هو من الناس لأنه مخلوق؛ وليس من الناس لأنه يفيض الوجود على الناس «هو المهيمن على جميع الخلائق جعله الله عمدا أقام عليه قبة الوجود» هو حادث الجسد ولكنه أزلي الروح.

وإلى هذا المعنى يوجه ابن عري قول الرسول: «أنا سيد الناس ولا فخر»، ويرى أن معناه «لا أقصد الافتخار على من بقي من العالم، فإني كنت أعلا المظاهر الإنسانية فأنا أشد الخلق تحققا بعيني؛ فليس الرجل من تحقق بربه، بل الرجل من تحقق بعينه لما علم أن الله أوجده له لا لنفسه».

3

ومعنى هذا أن لله خلقين خلقا له وخلقا للعالم، ويفسر ذلك ما ورد في التوراة:

يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك، وخلقتك من أجلي، فلا تهتك ما خلقت من أجلي فيما خلقت من أجلك.

3

و«ابن آدم» هنا عام، ويمكن أن يراد به النبي محمد؛ لأن ابن عربي يجعل الأنبياء كلهم «كلمات» لها منازل دون منزلة الحقيقة المحمدية. والوجود بالله معنى صوفي عبر عنه من قال:

إذا اشتد شوقي هام قلبي بذكره

وإن رمت قربا من حبيبي تقربا

فيبدو فأفنى ثم أحيا به له

ويسعدني حتى ألذ وأطربا

أثرها في القصائد والصلوات

وتحرير هذه القضية أن محمدا أول التعينات الذي تعين به الذات الأحدية قبل كل تعين فظهر به ما لا نهاية له من التعينات، فهو يشمل جميع التعينات، فهو واحد فرد في الوجود لا نظير له: إذ لا يتعين من يساويه في المرتبة، وليس فوقه إلا الذات الأحدية المطلقة المنزهة عن كل تعين وصفة واسم ورسم وحد ونعت، فله الفردية مطلقا، ومن هذا يعلم أن الاسم الأعظم لا يكون إلا له دون غيره من الأنبياء، ومن فرديته يعلم سر قوله: (كنت نبيا وآدم بين الماء والطين) كونه خاتم النبيين وأول الأولين وآخر الآخرين، ومن أوليته وجمعيته سر قوله: (أوتيت جوامع الكلم) وكونه أفضل الأنبياء فإنهم في التصاعد وسعة الاستعداد والمرتبة ينتهون إلى التعين الأول ولا يبلغونه، والتعين الأول هو محمد الذي ترجع إليه جميع التعينات فهو البرزخ بين الذات الأحدية وبين سائر الموجودات.

4

حديث: أنا سيد الناس

وليتذكر القارئ أننا نؤرخ فكرة صوفية، فلسنا في الواقع من أنصار هذا الرأي، ولا نكاد ندرك كيف كان محمد نبيا وآدم بين الماء والطين، والمرجح أن هذا التصور اقتبسه الصوفية من الفلاسفة القدماء،

5

والمهم هو أن نفهم أن الصوفية يتصورون ذاتا أحدية لا تتكثر إلا بالتعينات، والتعين الأول هو محمد، وهو الحكمة الفردية، وعنه نشأت جميع التعينات حتى الأنبياء، ومن أجل ذلك كان سيد جميع الناس، وكان خاتم الأنبياء.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٨٩