10
ولكن متى يصل المرء إلى الفهم الحق لوحدة الوجود؟
إن جواب ذلك عند الشيخ حسن رضوان إذ يقول:
إذا من الحق تعالى على عبد من عباده واصطفاه بصفاء نفسه من كدورة التعلق بما سواه، وطهره من جنابات غفلاته، ورعونات شهواته، حتى أفناه به فيه حق اليقين، وبلغ بذلك مرتبة جمع الجمع، ولحقت نفسه بعالمها العلوي الأصلي، قامت به حينئذ رقيقة لطيفة ذاتية حقيقة مفاضة من جانب الحق تعالى بفيض رحمانيته ينكشف له بها سريان الوجود الحق في جميع ذرات الممكنات، وسر تجليات الأسماء والصفات وظهوره في كل مظهر بحسب استعداده كشفا إيمانيا وذوقا روحانيا، فيرى الحق في الخلق، والخلق بالحق، وهذا هو مشهد كمل العارفين المحققين.
11
تلك فقرات اقتبسناها مما كتب الشيخ حسن رضوان في شرح المراد من وحدة الوجود، وما يهمنا في هذا الموطن أن نناقش ما كتب، فقد درسنا هذه النظرية وبينا ما لها وما عليها حين شرحنا آراء ابن عربي، والمهم هو التنبيه إلى فهم هذا الرجل لأسرار التصوف، وهو لم يخلق هذه النظرية ولم يبتكر الدفاع عنها، ولكن كلامه يشعر بأنه كان من المتفوقين في درس هذه الشئون.
وقد تأثر الرجل بابن عربي تأثرا شديدا، وعبارة «قال قائلهم» لم يقصد بها غير ابن عربي؛ لأنه صاحب ذلك البيت.
وحين نأخذ في درس تلك المنظومة المطولة يروقنا ما نراه فيها من الانسجام وهو يقيد آداب المريدين، من ذلك قوله في القبض والبسط:
فالقبض حق الحق إن تجردا
عن علة والبسط عن حظ بدا
فواجب في القبض الانفراد
عن الورى لتحصل الأمداد
ولازم في البسط حفظ النفس
من الركون عند هذا الأنس
فربما تزهو بغير ربها
فيطفئ المزهو نور قربها
ومن صفاتها تحقق الفرح
بربها وحبها لمن نصح
وميل طبعها إلى الصوت الحسن
بما لها من الهيام والشجن
ووجدها يزداد بالسماع
من غير أن يفضي إلى الضياع
ويعتريها عند ذلك القلق
شوقا إلى مألوفها الأصلي الأحق
ومن صفاتها تحمل الأذى
وترك أخذ حقها ممن شذا
12
وعفوها عنه مع التحلم
وصفحها بدون ما تظلم
والصدق والإخلاص في المعامله
لله واستحضار أن الأمر له
13
وهذا الشاهد يكفي لبيان مذاهب ذلك الرجل في الإفصاح عن آداب المريدين.
وخلاصة القول: أن منظومات حسن رضوان في أصول التصوف هي تحفة من التحف الأدبية، وتظهر قيمتها لمن عانى درس التصوف وعرف ما فيه من وعورة المسالك والشعاب.
ولم تكن تلك المنظومات كل ما ترك من الآثار الشعرية، فقد كانت له قصائد في مدح الرسول، والثناء على أهل الطريق، ولكن تلك المنظومات هي خير آثاره الشعرية، فقد كان انطبع على الرجز ولان له قياده فأتى فيه بالأعاجيب. وليس من القليل أن يتفرد الرجل بنظم ما يقرب من اثني عشر ألفا من الأبيات في فن واحد، ولكن أي فن؟ فن التصوف الذي يقوم على المعاني وأحوال القلوب.
| المدائح النبوية
من أين نشأ الغلو في مدح الرسول
كان من أصول هذا الكتاب قسم كبير خاص بالمدائح النبوية في الأدب العربي، ولكن اللجنة التي درست هذا الكتاب أول مرة اقترحت أن يطبع ذلك القسم مستقلا فطبعناه ونشرناه
1
ثم رأينا بعد التأمل أن المدائح النبوية لا يزال لها مكان في هذا الكتاب، ولكن أي مكان؟ نحن لا نريد أن نقتبس شيئا من الكتاب الذي نشرناه عن المدائح النبوية، وإنما نريد أن نفسر الغلو الذي يشهده كل من يقرأ ما مدح به الرسول، ذلك الغلو الذي يقضي بأنه لولا محمد ما ظهر شمس، ولا قمر، ولا نجوم، ولا أنهار، ولا بحار، ولا شجر، ولا مدر، ولا جبال.
نريد أن نبين كيف صح لمثل ابن نباتة المصري أن يقول:
لولاه ما كان أرض لا ولا أفق
ولا زمان ولا خلق ولا جيل
ولا مناسك فيها للهدى شهب
ولا ديار بها للوحي تنزيل
وكيف جاز للبوصيري أن يحكم بأن محمدا دان الأنبياء قبل أن يخلق فيقول:
وكل آي أتى الرسل الكرام بها
فإنما اتصلت من نوره بهم