صلى الله عليه وسلم : (رأيت ربي في صورة شاب أمرد)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (خلق الله آدم على صورة الرحمن
7 ... فالحق تعالى ليس له إلا تجل واحد على الأشياء، وظهور واحد على تلك المظاهر، وهذا الظهور هو بعينه ظهوره برتبة تنزله لنفسه في مرتبة أفعاله، فلا يمكن أن يكون هذا الظهور مثل ظهوره بذاته لذاته لاستحالة المثلية بين الظهورين. وهذا هو المراد بقوله عز شأنه: «كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق فبي عرفوني»، فظهرت الذات الأحدية، والحقيقة الحقية، في كل مظهر من المظاهر بحسبه على ما علمت من التنزيه القديم، لا أن لها بحسب ذاتها ظهورات متنوعة، وتجليات متعددة، وإنما ذلك تقريبا كتكثر نور الشمس وتلونه بتعدد ألوان الزجاجات المقابلة له، فمن شاهد حقيقة النور الأصلي وعرف أنه لا لون له في ذاته انكشف له أن هذه الألوان المتكثرة في الظاهر إنما هي من الزجاجات بحسب استعداداتها فقط، ولا تعدد للنور في ذاته، ومن وقف مع الزجاجات وألوانها احتجب بها عن النور الحقيقي، فمن وقف مع مظاهر الحق تعالى وتعددها وتكثرها وتوهم أنها أمور مستقلة بوجود مع الله تعالى فقد ضل بذلك عن سبيل الجادة وأفحش وأثم، وبغى بغير الحق ظاهرا وباطنا، حيث أشرك مع الله ما لم ينزل به سلطانا،
8 ... فتحصل من ذلك كله أن كل شيء مما سوى الله تعالى إذا اعتبرته من حيث ذاته وجدته عدما محضا، وإذا اعتبرته من حيث الوجود الحق رأيته موجودا بذلك الوجود الذي ظهر عليه نوره من التجلي الوجودي للفعل الذاتي، فلكل شيء حينئذ وجهان: وجه إلى نفسه، ووجه إلى موجده، فمن نظر وجهه إلى نفسه وجده عدما صرفا ونفى الأفعال عنه، ومن نظر وجهه إلى ربه وموجده وجده موجودا بوجود موجده ونسب الأفعال إليه، كما جاء به الشارع، «والله خلقكم وما تعملون». فكل شيء موجود معدوم: فالعدم صفته الذاتية، والوجود إنما ثبت له بالعرض لا بالذات ... فانكشف لك بما تقرر أنه لا موجود في الحقيقة إلا الله، وأن الوجودات الكونية وإن تكثرت وتعددت وتمايزت هي في الواقع ونفس الأمر من مراتب تعينات الحق، وظهورات نوره، وشئون ذاته، وآثار أسمائه وصفاته التي هي عين ذاته. قال قائلهم:
وفي كل شيء له آية
تدل على أنه عينه
لا أنها أمور مستقلة، وذوات منفصلة، بجعل وتأثير فيها، وإنما تعينها وظهورها بنفس فيضان الوجود الحق عليها، فإذن ليس في الوجود إلا ذات الحق وأسماؤه وصفاته ومظاهرها، واسم الخلقية مستعار لتلك الحقائق الكونية التي هي شئون الذات وآثار الأسماء والصفات، أعارها الحق تعالى لتلك الشئون والمظاهر لإظهار الألوهية ومقتضياتها من الجمع بين الأضداد، قال الجيلي:
وما الخلق في التمثيل إلا كثلجة
وأنت بها الماء الذي هو نابع
وما الثلج في تحقيقنا غير مائه
وغيران في حكم دعته الشرائع
ولكن بذوب الثلج يرفع حكمه
ويوضع حكم الماء والأمر واقع
تجمعت الأضداد في واحد البها
وفيه تلاشت وهو عنهن ساطع
9
فالجيلي مثل العالم بالثلج، ومثل الحق تعالى بالماء، وليس إلا الماء، والثلجية طارئة، فليس إلا الحق والخلقية عارية ... وكما لا تحيط العقول والأفكار بحقيقة ذاته وأسمائه وصفاته فكذلك لا تحيط بكيفية ظهوره في مظاهره وتجلياته التي هي شئون ذاته، فهي أدق وأرفع من أن تدرك لغيره ... وظهور الحق بذاته في مظاهر أسمائه وصفاته أولى وأجدر في الحيرة وعدم الاهتداء إلى معرفة الحقيقة من ظهور صورة في مرآة، فإن الناظر في المرآة يعلم قطعا أنه أدرك صورته بوجه، ويعلم قطعا أنه ما أدركها بوجه، لما يظهر له من دقة صورته لصغر المرآة، والحال أنه محقق كبر صورته عما شاهده، أو لما يرى من كبر وجهه لكبر المرآة مع قطعه بصغر صورته، فلا يمكنه إنكار رؤية صورته، ويعلم أنه ليست في المرآة صورته، ولا هي بينه وبين المرآة، ولا هي مرئية بانعكاس شعاع البصر إلى الصورة، إذ لو كان كذلك لرآها على حد ما هي عليه في الخارج، مع علمه بأنه رأى صورته من غير شك، فإذا أخبر بعد ذلك بأنه رأى صورته وما رأى صورته فلا شك أنه ليس بصادق ولا بكاذب، إذ يقال: ما هي تلك الصورة؟ وأين محلها؟ وما شأنها؟ فإذن هي منفية ثابتة، موجودة معدومة، مجهولة معلومة، فلم يهتد الناظر في المرآة إلى معرفة حقيقة صورته الظاهرة فيها وهي من العالم المحسوس ... فهو إذن في معرفة تجليات الحق وظهوره في مظاهره أشد عجزا وجهلا.