بوصف إيمان وبالتقوى وصف
كذا وقوفه على الحدود
مع الوفا لله بالعهود
والوعد مثل العهد في وفائه
لديه عن عزم لدى إبدائه
أما الفاء فإشاراتها أغرب، ولننظر كيف يقول:
والفاء للفتوة المعهوده
في عرفهم وفقده شهوده
والفتق والفتوح والفرقان
وفتحه الموصوف بالبيان
وفرقه الثاني، وهذا بعض ما
له حروفه تشير فاحكما
وقد شرح الغامض من هذه الإشارات فبين أن (الفتق) هو في عرف أهل الحق عبارة عن اتصافه بما يفيده تفصيل المادة المطلقة بصورها النوعية، أو ظهوره كلما بطن في الحضرة الواحدية، من النسب الأسمائية، وبدو كل ما كمن في الذات الأحدية، من الشئون الذاتية، كالحقائق الكونية بعد تعينها في الخارج؛
3
وقد شرح «الفتوة» وهي كلمة يكثر ورودها في كتب الصوفية، وهي عندهم عبارة عن خمود حرارة القلب اللازمة للبداية.
4
والقول: بأن كلمة «صوف» اختيرت لما تشير إليه الصاد والواو والفاء هو قول لم أره عند غيره من الصوفية، فإن كان من مبتكراته فهو تعليل طريف يدل على براعة الخيال.
على أن هذا لم يمنعه من نظم أقوالهم في اشتقاق التصوف:
وقد جرى من حيث الاشتقاق
في لفظة التصوف الشقاق
وكل ذي قول له توجيه
لقوله في نفسه وجيه
ولكن القياس والقواعد
في جملة الأقوال لا تساعد
والبعض منهم قد يقوى قوله
بالأخذ من صوف بلبسهم له
فقوله هذا وإن يكن وجد
له قياس في كلامهم عهد
لكن أهل الحق لم يختصوا
بلبسه ولا عليه نصوا
وهو بهذا النظم قيد ما جاء في فاتحة الرسالة القشيرية، ولكن البيت الأخير عليه اعتراض؛ لأنه يقرر أن الصوفية لم يختصوا بلبس الصوف ولم ينصوا عليه، وهذا غير صحيح، فإن الصوفية اختصوا بلبس الصوف ونصوا عليه، وإن كان لم يفتهم أن يقرروا في غير موطن أن طهارة القلب هي الأساس، وأن المطلوب تصوف القلب لا تصوف الثوب.
5
ومن رأي الناظم أنه لا ينبغي مطالبة الصوفية بمجاراة القياس أو الاشتقاق.
فإنهم أجل من أن تفتقر
أقوالهم إلى قياس مشتهر
أو اشتقاق إذ لهم قانون
ساروا به وسره مكنون
فلفظهم أقفاله لا تفتح
إلا بذوق أو بكشف يمنح
آداب السلوك
وأهم مسألة عرض لها الناظم هي (وحدة الوجود) وقد جعلها غاية الغايات من منظومته حين قال في الختام:
وهذه الرسالة الشريفه
جمعتها بهمة ضعيفه
لكن بحمد الله جاءت كافيه
في سير أرباب القلوب الصافية
فكل بيت من بيوتها اشتمل
على معان تنجلي لمن دخل
وكلما تكرر الدخول
في أي بيت يحصل المأمول
وتنجلي الرقائق المطويه
في لفظة والحكمة المنويه
لا سيما ما كان في العقائد
فإنه من أعظم المقاصد
وحسبه من ذلك المقصود
إشراق نور وحدة الوجود
وهو بهذا أجرأ من الشعراني الذي أعلن براءته من القول بوحدة الوجود، وأصرح من ابن عربي الذي دار حولها في تهيب واحتراس.
وربما كان من أسباب شجاعة الناظم أنه نشأ في مصر في أيام لم تكن فيها حقائق التصوف من المشكلات، أو لعل الذين عاصروه من كبار العلماء لم يكونوا من الذين يثيرهم القول بوحدة الوجود، أو لعل شغل الجمهور المصري بالمشاكل السياسية التي خلفت الثورة العرابية كان مما صرفه عن تعقب المشكلات الصوفية.
6
ولننظر كيف عبر عن هذه النظرية إذ يقول:
وكل ما سواه نجم آفل
بل في شهود العارفين باطل
فليس إلا الله والمظاهر
لجملة الأسماء وهو الظاهر
فغيره في الكون لا يقال
لأنه في ذاته محال
ورتبة الإمكان لا تفارق
لممكن ما وهي فيه الفارق
فالحق ذاتا واجب الوجود
لنفسه وعز في الشهود
وكل مظهر بروحه استمد
من حضرة الأسما بخير ما استعد
ومن هنا اليقين والتمكين
في رتبة الشهود والتلوين
فمن صفت مرآته تحققا
بما من الأسما عليه أشرقا
وشاهد المشاهد المصونه
وأدرك المواهب المكنونه
وقد اهتم بشرح هذه الأبيات فقرر أن كل ما سوى الله من الأعيان الظاهرة والماهيات الممكنة علوية وسفلية باطل في شهود العارفين من حيث ذاته فلا حقيقة له أزلا وأبدا، وإنما الموجود حقيقة هو ذات الحق تعالى، وليس لتلك الأعيان والماهيات الظاهرة وجود حقيقي ذات لها، وإنما المشاهد فيها انصباغها بنور الوجود الحق على نحو من أنحاء الظهور، وطور من أطوار التجلي الحقي، فهو الظاهر في جميع المظاهر، والمشهود في كل التعينات بحسب تفاوتها في استعداداتها، وتعدد شئونه بتكثر حيثياتها، على مقتضى العلم القديم بذلك كله إجمالا وتفصيلا، كليا وجزئيا، فالتوحيد للوجود، والكثرة والتمييز للظهور على مقتضى العلم، فللوجود الحق تجل بذاته لذاته يسمى غيب الغيوب والعماء الأزلي، وظهور بذاته لأسمائه وصفاته، وهو عبارة عن تجليه الوجودي المسمى بالنور المفاض على سموات الأرواح وأرض الأشباح، الله نور السماوات والأرض به ظهرت أحكام الماهيات والأعيان، وحصلت بذلك النسب والإضافات، وظهرت آثار الأسماء والصفات التي هي فعله، وبسبب تميز هذه الأعيان وتخالفها لسر اقتضته مرتبة الألوهية اتصفت حقيقة الوجود بصفة التعدد والكثرة بالعرض لا بالذات، ومن ذلك السر الجمع بين الأضداد، فظهر الحق في كل ماهية على ما تقتضيه ذاته الكريمة من التنزه التام القديم الذي لا يعرفه غيره، وظهرت الماهيات بالحق، وتعاكست أحكام كل منها إلى الآخر مع ذلك التنزيه أيضا، فصار كل منها مرآة لظهور الآخر فيه، ويشهد لذلك قوله