تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

1

قيمته الأدبية

وحياة الشيخ حسن رضوان هي نموذج لحياة الصوفي الحق، فقد كان الرجل من أهل العلم، وكان اهتمامه موجها إلى نشر الثقافة الدينية والصوفية، فكان يقيم الدروس وينشئ المؤلفات، ويذيع المثل الطيب بسلوكه الشريف بين الناس.

وقد ترك هذا الرجل سيرة عطرة فما اتصل به من البلاد، وغرس فيمن عرفهم حب الدرس، وقد حدثني الأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرازق أن البلد الذي أقام فيه الشيخ حسن رضوان كثر فيه العلماء والمدرسون، فهو من الهداة الصالحين الذين عرفتهم مصر في القرن الثالث عشر، وإليه يرجع الفضل في تثقيف جمهور كبير من أهل ذلك العهد.

معنى التصوف

ترك الشيخ حسن رضوان طائفة من المؤلفات الدينية والصوفية.

2

ولكن أهم آثاره هو (روض القلوب المستطاب) وهو منظومة مطولة تقرب من اثني عشر ألفا من الأبيات، وربما كانت هذه المنظومة أعظم منظومة في قواعد التصوف، وهي تدل على مرونة اللغة في قلم ذلك الشاعر البليغ، وتدل أيضا على أنه كان من أعلم الناس بأصول التصوف، ومن أعرفهم بمذاهب القوم.

والذي ينظر في هذه المنظومة يعجب كيف اتفق لذلك الرجل أن يعي كل تلك الحقائق، وما ظن القارئ برجل لم يترك من التصوف شاردة ولا واردة إلا قيدها بأسباب من النظم الوثيق؟ ما ظن القارئ برجل يعرف ما يأتي وما يدع في ميدان كثر فيه الوهم والضلال؟ ما ظن القارئ برجل قعد التصوف تقعيدا وصيره من العلوم ذوات القواعد والأصول، بحيث يرى المطالع أنه ينظر في فن مقعد مضبوط؟

وتظهر قوة الشيخ حسن رضوان حين يتصدى لشرح بعض الإشارات، فهنالك ترى نفسك أمام رجل يعني ما يقول، ويفهم ما يريد.

يضاف إلى ذلك الجرأة الهائلة في شرح ما يؤمن به في مزالق التصوف، ولكن أي شرح؟ شرح واضح لا مداورة فيه ولا التواء.

ولا يمكن لقارئ أن يعرف قيمة الشيخ حسن رضوان إلا أن اتفق له ما اتفق لنا من الحيرة الطويلة في فهم مذاهب القوم، فقد قضيت سنين وأنا أتحسس مقاصد أولئك الناس، فلما وصلت إليه عجبت كيف وضحت تلك المذاهب في نفسه فجلاها في أظهر بيان.

وحدة الوجود

ومن أعجب ما وقع لهذا الناظم أنه بدأ منظومته بأصعب مسألة، وختمها بأسهل مسألة، بدأها بالكلام على وحدة الوجود، وختمها بتعريف التصوف، ولو أنه عكس لكان أقرب إلى النظام المقبول في الترتيب.

فلنبدأ نحن بكلامه في تعريف التصوف، وهو يرى أنهم اختلفوا فيه:

فبعضهم بالفقر عنه عبرا

وبعضهم بوصف زهد فسرا

وبعضهم بالأخذ بالحقائق

ويأسه مما لدى الخلائق

وقائل: بحب الافتقار

والفقر والإعطا مع الإيثار

وترك الاختيار بالتسليم

إلى مراد العالم الحكيم

وبعضهم بقطع كل عائق

عن ربنا من مطلق العلائق

وقيل: إنه القيام بالأدب

لكل وقت في جميع ما طلب

من شكر نعمة عليه أسبغت

أو توبة مما به نفس بغت

وقيل: أن يحيى الإله عبده

به وأن يميت منه قصده

وقيل: ذكر باجتماع والعمل

مع اتباع ثم وجد اتصل

وقيل: إنه النقا والتصفية

للقلب من معوقات التوفية

ويحدثنا أن لفظ «الصوفي» لم يكن مستعملا في عرف النساك، وإنما هي لفظة اصطلاحية أخذت من (الصوف) وهي ثلاثة أحرف: صاد، واو، فاء، وكل حرف من هذه الأحرف يشير إلى عدة معان:

فالصاد صرف الهمة القويه

في كل مرضي وصدق النية

وصبره على البلا والطاعه

وعن أمور توجب انقطاعه

وصده الهوى عن الفؤاد

وصرفه عن خلطة العباد

وصدعه بالحق لا يبالي

من لومة في الله ذي الجلال

وصفحة عن كل من يؤذيه

والصدق في جميع ما يبديه

وصونه لجملة الأنفاس

بضبطها والصلح بين الناس

وصرمه حبال كل عائق

يعوقه عن رؤية الحقائق

وصقل قلبه بذكر ربه

وصمته عن مانع من قربه

وأن يكون صاغرا بحيث أن

يرى الصغار عنده من المنن

أولئك ما يشير إليه حرف الصاد

أما الواو فقد فصل إشاراتها إذ يقول

والواو وصله جميع ما أمر

بوصله المولى وفضله اشتهر

ووده في الله كل من عرف

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٨٥