وكانت لنا في الحضرتين وقائع
وزفت عروس القرب ليلة قدرنا
وفي ذكر الذكر استلذ المجامع
وإنزاله القرآن قد حملت به
فروج قلوب بالعلوم تدافع
وبت طلاق الصبر زوج فتى الهوى
ثلاثا على سلمي فكيف يراجع
ولو دفعت كل الذي هو ملكها
على طلقة ما كان قلبي يخالع
وهذه الألفاظ لها عنده تأويل، فهو يقول بعد أبيات:
كلام على حكم العيان مفصل
به الغيث من سحب الحقيقة هامع
3
منزلته الشعرية
والنابلسي ينكر وحدة الوجود وينكر الحلول والاتحاد، فيصف الله في مقدمة ديوانه بأنه «الظاهر من حيث صفاته وأسماؤه في صورة كل أحد، من غير أن يحل في شيء أو يكون بشيء اتحد، والباطن من حيث ذاته العلية، عن معرفة أحد من البرية، فكل ما يخطر في بالك فهو من حيث أسماؤه وصفاته كذلك، وهو من حيث ذاته العلية بخلاف ذلك».
ويقول في الرد على من يعتقد وحدة الوجود:
ولا تقل: أنت هو ما أنت هو أبدا
لا شيء كيف يساوي الشيء واعجبي
ويقول في نفي الاتحاد والحلول:
لا تقل: حل ولا
تقل: الحق اتحد
ضريح سعد الدين الجباوي بضواحي دمشق ويرى الناظر جماعة من الصوفية يذكرون وينشدون.
ولكنه في موطن آخر يحتال لتفسير وحدة الوجود فيقول:
لا تقل: وحدة الوجود إذا لم
تفن عن كل كائن موجود
ثم تفني ذوقا بتحقيق حق
عنك حتى عن الغنى المقصود
ويصير الوجود عنك خفيا
لست تدري منه سوى فرط جود
وإذا لم تكن كذلك فاحذر
من تلابيس عقلك المعقود
واجتنب وحده الوجود ودعها
لرجال قاموا بحفظ العهود
وهو في هذا يتابع ابن عربي الذي لا يبيح لكل سالك أن يقول بوحدة الوجود.
بقي النص على منزلة النابلسي في الحياة الشعرية ونحن نراه شاعرا وسطا بين شعراء الصوفية، ولولا التصوف لما أضيف اسمه إلى الشعراء.
4
وهذا لا يمنع أن نحكم بأنه أجاد في بعض المواطن ولا سيما المواويل كأن يقول:
نوحي على فقدهم يا مقلتي نوحي
والدمع طوفان هل منه نجا نوحي
يا من إذا أبطأوا جئنا لهم نوحي
لأنبياء المحبة لم نزل نوحي
وفي هذا الموال جناس مقبول،
5
والجناس من الخصائص الأساسية في المواويل المصرية، وربما جاز أن نستجيد هذا الموشح الطريف:
تجلى وجه محبوبي
وهذا كل مطلوبي
فيا نار العدا ذوبي
بعيد عنك مشروبي •••
جمال الأهيف الزاهي
وحسن الأغيد الباهي
به صبري هو الواهي
وموتي فيه مرغوبي •••
رأينا نوره أشرق
فكنا برقه الأبرق
ولا نجد ولا أبرق
سوى الإبريق والكوب •••
علينا الخمر قد دارت
بها ألبابنا حارت
وأطيار الهوى طارت
بترتيب وأسلوب •••
مليح الكون وأفانا
وزاد الحسن إحسانا
وحيا يوسف الآنا
فقرت عين يعقوب
هذا؛ ولا ينسى القارئ أن أهمية النابلسي ترجع إلى ما أثر في عصره من الدعوة إلى الحق. أما منزلته الشعرية فهي عندي ضعيفة كل الضعف، وقد قضيت ليالي في درس ديوانه فلم أجد له قطعة واحدة تلحقه بأكابر الشعراء.
وفي الناس من يحيا مرة واحدة ثم يموت، وأظن النابلسي أخذ حظه وهو يتنقل بين مصر والشام والحجاز والعراق، فإن جحدنا فضله اليوم فلا بأس فقد عاش حتى سئم العيش، ولعله ظفر بما كان يطمح إليه من الخلود في عالم الأرواح.
| منظومات حسن رضوان
خلاصة ترجمته
الشيخ حسن رضوان صوفي من رجال القرن الثالث عشر، ولد في سنة 1239 ومات في سنة 1310 فهو قريب العهد، وكان مولده في ببا الكبري بمديرية بني سويف، وأجداده كانوا من أهل الشام، والذي انتقل منهم إلى مصر جده الثاني، وقد توفي والده وهو صغير فرعته أمه، وأرسلته لطلب العلم في الأزهر الشريف فبلغ مقام التدريس وهو ابن سبع عشرة سنة، وأخذ الطريق وهو في سن العشرين، ثم ترك القاهرة وانتقل إلى بلدة تسمى السريرية بمديرية المنية، حيث أقام بزاوية أستاذه تسع سنين، تولى فيها مراقبة المريدين بتلك الزاوية وكانوا خمس مئة أو يزيدون، ثم انتقل بأهله من السريرية إلى بلد يسمى (سفط أبي جرج) بمركز بني مزار، واشترى دارا بجوار المسجد فاجتمع عليه الناس لمدارسة العلم وتلاوة القرآن، ثم أمره أستاذه بالانتقال إلى بلدة تسمى أبا الوقف فأقام فيها خمس سنين، ثم حج البيت الحرام، وبعد رجوعه انتقل إلى بلدة تسمى أبشاق الغزال بالقرب من سفط أبي جرج، وما زال يتنقل من بلد إلى بلد في سبيل العلم وخدمة الفقراء إلى أن توفي إلى رحمه الله في سنة 1310.