تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نور الشموع الذي يلمع عليكم لمع

من حرقة القلب قد سالت دموع الشمع

وهذا الموال:

قوموا بنا كلنا نخرق حجاب الطبع

ونتبع يا جماعة ما أتى في الشرع

حتى نشاهد جمال الله يلمع لمع

ولا جود لنا وهو الوجود الجمع

وهذا الموال:

حبيبنا في بديع الحسن حيرنا

بين الحياة وبين الموت خيرنا

حكم علينا وبالهجران غيرنا

وبعد هذا بسوء الحال عيرنا

فهذه المواويل تأخذ وقودها من التعابير المصرية، ومن المؤكد أنها عاشت في القاهرة حينا من الزمان.

مقام الشيخ عبد الغني النابلسي في دمشق.

مجموعة أشعاره

وبمناسبة هذه الأناشيد نذكر أن النابلسي كان يغذي حلقات الأذكار بمنظومات خفيفة الروح، فكان له فضل في إذاعة المعاني الطريفة بين المريدين، وهو صاحب الأنشودة الرائعة، أنشودة الساقي، وانظروا كيف تلطف الحركة وتقوى النبرات الموسيقية في هذا النشيد:

ساقي يا ساقي

اسقيني من خمرة الباقي

واكشف لي عن قيد إطلاقي

آه يا ساقي، آه يا ساقي

أستاره راحت

عن عيني والزهرة فاحت

والسكرة بالأسرار باحت

آه يا ساقي، آه يا ساقي

اكشف لي عنك

في ذاتي وافتح لي دنك

واجعلني يا حبي أنك

آه يا ساقي، آه يا ساقي

افتح لي باب الحان

واسمعني من طيب الألحان

وارشفني من كاسي الملآن

آه يا ساقي، آه يا ساقي

من يشرب يسكر

من خمري لما يتفكر

والمغرور في علمه أنكر

آه يا ساقي، آه يا ساقي

لا يعرف أمري

إلا من يشرب خمري

أحشاؤه تصلى في جمري

آه يا ساقي، آه يا ساقي

وقوة الروح في هذا النشيد لا تخفى على أصحاب الأذواق.

إخوانياته

وأهم الآثار الباقية من أدب النابلسي هو المجموع الضخم الذي يحوي ما نظمه في المواجيد الذوقية والمدائح النبوية، والأحاجي الشعرية، والغزليات.

وهو يسمى القسم الأول (ديوان الحقائق، ومجموع الرقائق، في صريح المواجيد الإلهية، والتجليات الربانية، والفتوحات الأقدسية).

ويسمى القسم الثاني (نفحة القبول، في مدحة الرسول).

ويسمى القسم الثالث (رياض المدائح، وحياض المنائح، ونفحات المراسلات، ونسمات المساجلات).

ويسمى القسم الرابع (خمرة بابل، وغناء البلابل).

ولهذا المجموع الضخم مقدمة طويلة مسجوعة يغلب عليها التكلف، لم يعجبنا منها إلا تعابير قليلة، كأن يقول: «وهدى إليه قوما بضلالهم فيه».

وكأن يقول: «والخارجين من مكة النفوس قبل الفتح».

وكأن يقول: «وتأملوا ظهوره للعقول بأنواع المعاني، وتجلياته للحواس الخمس بالصور المختلفة كالماء المطلق في قيود صبغة القناني».

الألفاظ الحسية

ويعد النابلسي من أقطاب شعراء الصوفية، وإن كان لا يستطيع اللحاق بابن الفارض، وهو في أغراضه أوضح من ابن عربي، وهو كذلك أقرب منه إلى البيئات الشعبية، وهو لا يخرج في أشعاره عن دائرة التصوف إلا قليلا، كأن يقول في الإخوانيات:

أخ لي يظهر الغيب أرعى وداده

ويرعى ودادي يا رعى الله من يرعى

أهيم به في الحب وهو يهيم بي

فيا خيبة الواشي إذا رام أن يسعى

وكأن يقول في الحساد والأعداء:

من لعبد بجسمه السقم بادي

بين أيدي حواسد وأعادي

وعيون قد أحدقت بازورار

وخزنتي مثل السيوف الحداد

وقلوب كأنما البغض فيها

جمر نار تبدو من الأجساد

صاعدات أنفاسها كدخان

منه يعلو الوجوه صبغ السواد

إنكار وحدة الوجود والحلول والاتحاد

وللنابلسي ألفاظ لا ندري كيف استساغها معاصروه، ألفاظ حسية أدارها في معارض معنوية، كأن يقول في خطاب المريدين:

يا ذوي الاعتقاد فينا ويا من

أسسونا على أتم أساس

أحصنوا بالتقى فروج قلوب

طاهرات ممن سواكم يقاسي

من زناة لهم ذكور كلام

نطف الغي منه والوسواس

جامعوه يلقون فيه شكوكا

تنتج الريب في أمور الناس

وقد سلك هذا المسلك في العينية وهي من قصائده الطوال، وانظروا كيف يقول:

وجاءت بأنواع الشهادة أمة

على الحق زكتها صفات بوارع

وهذا نكاح الأم عقد محقق

ومن كل شيء خلق زوجين بادع

شهدنا على إيجابنا وقبولنا

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٨٣