تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

21

منزلة اليافعي بين الصوفية

والمنظومات التي أراد بها اليافعي تقييد القواعد الصوفية كثيرة جدا، وهي على كثرتها لا تضيفه إلا إلى عوام الصوفية؛ لأنه لا ينحدر في مزالقهم إلا قليلا، ومن هذا القليل القصيدة التي يقول فيها:

يداوي لقلب في حرام مخفف

كجسم وبل أولى جوازا مؤكدا

لأن سقام الجسم أجر ورحمة

وبالضد جسم القلب للدين مفسدا

22

وهو يشير إلى الرأي الذي يقول: بجواز الإقدام على الحرام إذا كان فيه إصلاح للقلب.

وخلاصة القول: أن لمنظومات اليافعي أهمية عظيمة في نشر الثقافة الصوفية، ولكنها من حيث ذاتها ليس فيها محصول جديد، واليافعي نفسه لا يدرك من التصوف غير الغاية النفعية، فالصوفي عنده رجل يخاف النار ويرجو ما وعد به المتقون من نعيم الجنان.

وما نريد بهذا أن نخرجه من حظيرة التصوف، وإنما ننص على أن تصوفه ليس من النوع الخطر الذي يحل صاحبه من قيود الشرع ويسلكه في زمرة المتفلسفين.

ولهذا المسلك قيمة من الوجهة الأخلاقية، فالمريد الذي يربيه اليافعي شخص وسط يسير في الطريق المأمون، وعليه أن يراعي من قواعد السلوك ما ينسجم مع العرف والمألوف، فلا يزيغ بين الحقائق والأضاليل.

وليس في منهج اليافعي ما يعاب غير الإسراف في التشبث بصحة الكرامات، وهذا يقلب مسلكه المأمون في التصوف؛ لأنه يصور أقطاب الصوفية بصورة من يملكون تصريف الوجود، وعندما يصح هذا في أذهان العوام الذين يربيهم على أدب الشرع ينقلبون إلى طوائف من الموسوسين لا يمسكهم عقل ولا يحوطهم تدبير.

وقد أشرنا من قبل إلى قيمة منظوماته من الوجهة الفنية، فلنقيد مرة ثانية أن أسلوب هذا الرجل أسلوب وسط، واللحن يغلب عليه، بالرغم من حذلقته النحوية التي يلوح بها من حين إلى حين.

وهناك عيب يجب النص عليه وهو غرام اليافعي بالنظم، فإنا نراه يحرص على وضع منظوماته في كل موضوع، كأنه موكل بنظم ما عرف الصوفية من المعاني والأغراض، وهذا يدل على أنه كان في أكثر أحواله من المتكلفين، ومن الناس من يوصي بالتواضع ليقع في الكبرياء.

| أشعار النابلسي

نشأته

هذه شخصية كان لها شأن في أواخر القرن الحادي عشر وصدر القرن الثاني عشر. كان لها شأن يوم كان التصوف يخلق لأصحابه ألوف الألوف من المريدين والأتباع، فكان عبد الغني النابلسي شغل الناس في مصر والشام والحجاز والعراق.

ولد النابلسي في دمشق سنة 1050، وتوفي بها سنة 1143 وكان فيما يظهر من أخباره متفوقا في اللغة والدين والتصوف، فترك فيما يقال نحو مئة مصنف، أكثرها في الفقه والتوحيد والحديث.

اتصاله بأسرة البكري في القاهرة

وكان النابلسي موصول العهد بأسرة البكري في القاهرة، فكان حين يزور مصر ينزل بأولئك الأشراف فيساقيهم كئوس المودة والصفاء. يدل على ذلك اهتمامه بتخميس وتشطير ما أثر من أبيات الشيخ محمد البكري، ولذلك شواهد في «ديوان الحقائق، ومجموع الرقائق»، ويصرح بهذه الصلة الوثيقة قوله في التمهيد لشرح القصيدة الطائية:

وقد طلب منا حبيبنا

1

الشيخ زين العابدين البكري شرح هذه القصيدة الطائية فشرحناها شرحا لطيفا، وأكملنا الكلام في معانيها تحقيقا وتعريفا، على حسب وارد الفتوح، ينبسط له القلب وتنشرح به الروح، وسميناه (نفخة الصور، ونفحة الزهور، في الكلام على أبيات قبضة النور) وأتممناه في مصر المحروسة في بيت الشيخ زين العابدين المذكور ... إلخ.

2

أناشيده ومواويله

واتصاله بأسرة البكري في القاهرة يفسر لنا جانبا من حياته الأدبية فإن المواليا «المواويل» عنده تغلب عليها الصبغة المصرية، وقد لا يبعد أن تكون بقيت بقية من مواويله ينشدها المنشدون في الأذكار وهم لا يعرفون الناظم الأصيل، وإليكم هذا الموال:

يا أمة العشق فزتم بالبصر والسمع

قوموا اتركوا الفرق عنكم واقبلوا للجمع

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٨٢