تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وناء عن الدنيا وعن صحبة الورى

وحيد لأصحاب القبور مجاور

مجاور قوم لا يضرون جارهم

وكم نفعوا بالوعظ من هو زائر

فغائبهم لا يختشي غيبة ولا

يخاف أذاهم والنميمة حاضر

يناديهم بالله هل في بيوتتكم

ظلام المعاصي أم بها النور زاهر؟

17

ولليافعي قطع كثيرة في وصف آداب المريدين، وهذه الشواهد تبين مناحيه الأصيلة، وهي إيثار الفقر والنفرة من الناس.

ولا يمكن أن نرى الخير كل الخير فيما يقول، فللغنى أوجه جميلة، وله منافع يؤيد بها كرام الرجال، والناس جميعا ليسوا من أهل السوء، ففي بني آدم مخلوقات شريفة تصلح للمودة والإخاء، فيهم على الأقل أولئك الصوفية الذين يرون أنفسهم من أهل القدرة على البر والأدب والسخاء.

الحب الإلهي

وهناك فن ثالث من أشعار اليافعي هو التشوف إلى الذات الإلهية، وأشعاره في هذا الفن فيها قبس من الحنين، ولكنها لا تسمو به إلى منازل الأقطاب من المحبين، ونلمح فيها أحيانا نزعة سوقية، كأن يقول:

فيا أسفا يا حسرتا يا مصيبتا

ويا ضيعة الأعمار سوق المواسم

كما لم نكن كالغير أهلا لقربه

لقد فاتنا كل المنى والمكارم

نموت ولم ننظر جمال جلاله

ولم ندر طعم الحب مثل البهائم

فلو شاهدت ذاك الجمال عيوننا

سكرنا وغبنا عن جميع العوالم

وملنا نشاوي من شراب محبة

وباح بمكنون الهوى كل كاتم

ونحى حجابا عن عجائب قدرة

ونور وأسرار وطيب تنادم

فما العيش إلا ذاك لا عيش عزة

وسلمى ولا ليلى ولا أم سالم

18

والنزعة السوقية ظاهرة في هذه الأبيات؛ لأن المحب لا يتذكر في هذا المقام عيش البهائم، ولا يقارن حال الشوق إلى الله بالشوق إلى عزة وسلمى وليلى وأم سالم، مع احترام هذه الأسماء!

وله قصيدة أخرى في الحب الإلهي لم تسلم من هذه النزعة السوقية، فقد ختمها بهذا البيت:

سكارى بمولاهم وأنت بجيفة

فقس رخما بالباز عند التناصف

والظاهر أنه في مثل هذه المواقف يعرض بأعداء الصوفية، وهذا التعريض هو الذي يقدح في قيمة انجذابه نحو الذات الإلهية التي لا يرى المحب عندها صورة لأحد من المخلوقين.

والحق أن اليافعي لم تصلح نفسه صلاحية تامة للحب الإلهي؛ لأنه يتحدث كثيرا عن الجنة والنار، ويجعل الخوف والرجاء موصولين بأشياء حسية لا يفكر فيها المحبون، والأصل في الحب الإلهي أن يكون جذوة تشغل المحب عن كل ما سوى المحبوب، فلا يعرف النعيم ولا الجحيم، ولا يفكر إلا في رضا المحبوب، ولو كان من رضاه أن يقدف بالمحب في مهاوي الشقاء.

نظم قواعد التصوف

بقي الفن الأخير من منظومات اليافعي وهو خير ما عنده من الفنون، وهو نظم القواعد الصوفية، وله في هذا الفن قصيدة عينية لم نرها كاملة، ولكن عرفنا أهميتها من الشواهد المبددة في كتاب (نشر المحاسن الغالية)، وإليكم هذه الأبيات:

نفوس البرايا كالمطايا يقودها

إذا عودت في كل شيء تطاوع

فنفسك عودها حميدا من التقى

وعلم وآداب لها الزهد رابع

وصبر وشكر والتوكل والسخا

ومع ورع فقر به العبد قانع

ومع عزلة ذكر وسابق توبة

وخوف وعيد وهو في العفو طامع

وصدق وإخلاص وحسن استقامة

وكن راضيا فيما بك الحق صانع

وخاتمة العشرين زين خصالها

تواضع فللعبد التواضع رافع

19

ففي هذه الأبيات الستة ساق عشرين خصلة من خصال المريد الصادق، وهذا هو ما نريده من نظم قواعد التصوف.

وله قصيدة سماها (عذبة المعاني الدقيقة، في التغزل بين الشريعة والحقيقة) أراد أن يبين بها أن الشريعة هي الأصل «كالبحر والمعدن واللبن والشجرة، والحقيقة مستخرجة منها كالدر والتبر والزبد والثمرة»

20

وهي قصيدة طريفة:

فؤادي بعذبات المعاني معذب

وقلبي بنار من قلاها مقلب

تعوض عن سلمى بسعدى ووصلها

عزيز ومن لم يمنح الوصل يتعب

معنى فلا من ذي ولا ذي مواصل

فبين هوى سلمى وسعدى مذبذب

لعز معالي الفقه من قبل واصل

وبيض العلا في الفقر من بعد يخطب

وهي قصيدة طويلة فيها الغث والسمين يراها القارئ في الجزء الأول من نشر المحاسن الغالية.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٨١