وقد سكروا مما يطيب شرابه
أولئك هم أهل الولاية نالهم
من الله فيها فضله وثوابه
وقرب وأنس واجتلاء معارف
ووارد تكليم لذيذ خطابه
بترك الهوى أمسوا يطيرون في الهوا
ويمشون فوق الماء أمن جنابه
ملوك على التحقيق ليس لغيرهم
من الملك إلا إسمه وعقابه
7
وهذه القطعة تبين منحاه في وصف رجال التصوف: فهم من أهل الكشف وعندهم أسرار الغيب، وهم يناجون الله عن «طريق الوارد» وهم ملوك على التحقيق ، ومن سواهم ليس له إلا اسم الملك، وما يتبع الملك من تبعات تفضي إلى العقاب.
والملوكية هي الوصف المختار عنده فقد تعرض لهم في قصيدة ثانية فقال:
ملوك البرايا ليس يشقى جليسهم
لهم بيض رايات العلا في المواقف
8
وعرض لغرامهم وسكرهم في قصيدة ثالثة فقال:
سلام على قوم شموس الهدى غدا
بهم في الهوى سكر إلى حشرهم غدا
أدار عليهم كأس راح محبة
جمال سقى الأحباب لما لهم بدا
بها هام بعض في البراري وبعضهم
به وله ظنوا جنونا فقيدا
وبعض عن الأكوان بان وبعضهم
به جاوز الإسكار حدا فعربدا
فسل عليه الشرع سيفا حمى به
حدودا فرى الحلاج ماض محددا
فمات شهيدا عند كم من محقق
ولم عندهم يخرج عن القوم ملحدا
9
والقارئ يلحظ أن الناظم قد يفصل بين حرف الجزم وبين مجزومه فيقول:
ولم عندهم يخرج عن القوم ملحدا
وقد سلف له شيء من ذلك حين قال: «فمن لم بنا يؤمن».
وله قطعة تغلب عليها النفحة الشعرية، وهو يصف القوم بالبكاء عليهم فيقول:
لأحبابنا عيش عليه يناح
لقاء شيوخ للمريد لقاح
أيا دهرنا المغبر ما لك مظلما
نهارك ليل لا يليه صباح
كأنك محزون على فقد سادة
شموس الهدى كانوا ضياءك راحوا
فأخلفهم مثلي فخلاك مثله
حلاك حلى منها الملاح قباح
وأيامك الغر الزواهر قبل ذا
حلاها بها يزهو الوجود ملاح
كسا الكون حسنا والأنام سعادة
بها بمحياها الرضا وفلاح
10
ولعل هذه القصيدة هي التي ساق منها في موطن آخر هذه الأبيات:
بمذهبهم قتل الغرام شهادة
وشهد ومحقون الدماء مباح
سلام على السادات من كل صادق
له مسرح في معرك ومراح
11
آداب المريدين
ومن هذا الفن أيضا أشعاره أو منظوماته في وصف آداب الرجال، كأن يقول في وصف المريد الذي صدق ما عاهد الله عليه:
فمجد العلا ما ناله غير ماجد
يخاطر بالروح الخطير فيظفر
إذا ذكرت جنات عدن وأهلها
يذوب اشتياقا نحوها ويشمر
ويعلو جواد العزم أدهم سابقا
وأبيض مجنونا عن النور يسفر
ويركض في ميدان سبق إلى العلا
ويسري إلى نيل المعالي ويسهر
وإني إلى أمر أنا فيه آمن
لأحوج من غيري إليه وأفقر
12
أو يقول:
فما فاز بالمجد الأثيل من الورى
سوى من لدى الأهوال بالنفس يسمح
فأما جبان عزت النفس عنده
فذاك الذي بالذل يمسي ويصبح
تعرض لنفحات الإله وبابه
أدم قرعه فالباب يوشك يفتح
13
وبدا له مرة أن يحاور مخاطبته على نحو ما كان يفعل حاتم مع امرأته فقال:
وقائلة: ما المجد للمرء ما الفخر؟
فقلت لها: شيء لبيض العلا مهر
فأما بنو الدنيا ففخرهم الغنى
كزهر نضير في غد ييبس الزهر
وأما بنو الأخرى ففي الفقر فخرهم
نضارته تزداد ما بقي الدهر
14
فهو في هذه الأبيات يوازن بين الأغنياء والفقراء، ويرى الغنى زهرة ستذبل بعد قليل، ويرى نضارة الفقر نضارة باقية. ومن الواضح أن الفقر لا يوصف بالنضارة إلا في عرف الصوفية بل عندهم هو باب إلى الملك:
أخي. نحن والله الملوك بفقرنا
لنا الملك في الدارين والعز والغنى
نولي ونعزل، والملوك جميعهم
لنا خدم، والذل يجزون والعنا
15
وهو يرى من أدب المريد أن تكون المزابل أحب إليه من القصور ويقول:
أحن ارتياحا للمزابل لا إلى
قصور وفرش بالطراز توشح
وأمنح ودي للمساكين صافيا
أجالسهم والهجر للغير أمنح
ففي ذل نفسي عزها وبموتها
حياة لأجل الغال بالدون أسمح
لنا باعتزال للورى لذ في الهوى
جوار كلاب في المزابل تنبح
إذا في اختلاط قيل: ربح فضائل
فقل: نحن قوم بالسلامة نربح
16
وقد تحدث عن العزلة في هذه الأبيات، ورأى جوار الكلاب أفضل من جوار الناس، وهي نظرة كلها تشاؤم، ولعله كان رأى في زمانه ناسا يشبهون بعض من رأينا من أهل هذا الزمان، فقد مضى به التشاؤم إلى إيثار صحبة الأموات على صحبة الأحياء.