تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عن الخلق في كشف الشدائد والضر

فمن لم بذا يؤمن فقولوا له: إذا

تجرا على الغر المشايخ بالنكر

تجلى فضولا في فضائل سادة

لهم في سما مجد المفاخر كم قصر

مقامات أحباب نرى الشهب دونها

بنوها بياقوت المواهب والدر

تضيء الدياجي من بهاء جمالها

بها يهتدي من للعلا نحوها يسري

وما تلك من أشباه عشك فادرجي

إلى جوف عش في الغيابات أو جحر

إلى آخر القصيدة، وهي سبعون بيتا افتتح بها كتاب المحاسن الغالية.

وعند مراجعة ما نقلناه يرى القارئ أن «الرمزية» هنا لا تستوفي الشرائط الأساسية؛ لأن الناظم يحدثنا في بداية القصيدة عن سلمى فنظنه يرمز إلى الروح، ولكنه يصارحنا بعد ذلك بما يريد، وهذا ليس من أسلوب الرمزيات، مع أنه يقول: «وأنشد لسان حالهم معبرا عنهم نائبا عن لسان المقال معرضا بذكر سلمى ونجد والحمى تورية وتسترا».

2

وهو لم يتستر، بل أفصح.

والشاهد الذي نقلناه فيه نفحات شعرية كقوله:

نروم التسلي عن هواها ببعدنا

وكل جمال في الوجود بها يغري

وفيه نظم متكلف كقوله:

فمن لم بذا يؤمن فقولوا له: إذا

تجرا علي الغر المشايخ بالنكر

وإليكم شاهدا آخر ترك فيه سلمى، وتحدث عن نعمى وقد بهره نور الجمال:

وفاح به من خدر نعمى معطرا

له طيب رياها مثيرا لأشجاني

ولم ير ذاك النور أعمى بصيرة

ولا شم ذاك الطيب مزكوم حرمان

ومن قد رأى أو شم أصبح مغرما

بنعمى وحالي عيشها الناعم الهاني

فإن أنعمت نعمى سقت راح وصلها

لأهل الهوى ممن بها مغرم عاني

جنوا من جنان الوصل تفاح نفحة

بروضات رضوان وروح وريحان

وعيشا هنيا في حمى ظل نعمة

تراهم ملوكا جوف جنات عرفان

فآها على تلك العطيات والمنى

على تلك فابكوا يا صاحبي وإخواني

3

فهذه قطعة رمزية، ولكن كلمة «يا صحابي وإخواني» تدل على ما يريد من الحديث عن المعاني الصوفية.

وقد حدثنا أنه قال بعض القصائد على لسان حال من مات في حب الله «بطريق النيابة عن لسان مقاله، على جهة الغزل الساتر لحاله»،

4

وهو بهذا يفضح الرمزية التي اعتصم بها وهو يشرح تلك الحال، أما تلك القصيدة فمنها هذه الأبيات:

بتذكار سعدى أسعداني فليس لي

إلى الصبر عنها والسلو سبيل

ولا تذكرا لي العامرية إنها

يوله قلبي ذكرها ويزيل

ولكن بذكري عرضا عندها

5

فإن

تقل كيف هو قولوا فذاك عليل

علاه اصفرار مدنف واله له

أنين سقيم جسمه ونحيل

فإن تعطفي يشفي وإن تتلفي ففي

هواك المعنى المستهام قتيل

والقارئ يلحظ الجناس في بعض هذه الأبيات.

بين التلميح والتصريح

ويظهر أن اليافعي متأثر بابن عربي في رمزياته، من حيث الشرح، فكما شرح ابن عربي قصائد ترجمان الأشواق، شرح اليافعي قصائده الصوفية، والفرق بين الرجلين أن ابن عربي لا يوجه معاني قصائده إلا عند الشرح، أما اليافعي فيصرح بمراده في صلب القصيدة ثم يؤكد مراده بالشرح، من ذلك ما صنع عند قوله في التائية:

ثنت في ابتدا ميدان فضل عنانها

وود حصان المدح لو كان مفلوتا

وأبياتها خمسون من نظم موثق

بقيد الخطايا والعلائق مكبوتا

فقد حدثنا أن «الحصان هنا كناية عن القلب وإشارة إلى ظلمته وعماه بسبب الخطايا وشغله بالعلائق العائقة له عن السير في الميدان المذكور، وهو ميدان من ميادين الملكوت، هو موطن فضلهم المشكور، ولا يعرف ذلك الميدان إلا أهل النور والعرفان، ولا يقطعه إلا المخففون السابقون من الفرسان؛ فلهذا وقف الحصان المكني به عن الجنان لعدم النور البارق، وثقل العلائق اللذين كل واحد منهما كالقيد العائق، ولو أنه أفلت من الوثاق وأزيل عنه القيدان وأرخى له العناية في ذلك الميدان لجال في تلك الأوطان، وشاهد في خيامها مليحات الحسان، فأعرب عن تلك المحاسن بأحسن بيان».

6

وصف الرجال

وعند اليافعي فن ثان هو وصف الرجال، أي: الصوفية كأن يقول:

رجال لهم علم بما جهل الورى

لهم صار مكشوفا منحى حجابه

فأسرار غيب عندهم علم كشفها

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٧٩