تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دي من أهل الأرائك

في سرور وغبطة

لا من أهل الدرائك

بين التصريح والتلميح

وتنقسم منظومات ابن عربي في الفتوحات إلى قسمين: قسم تغلب عليه النفحة الوجدانية وهو قليل، وقسم يغلب عليه التقعيد وهو الأكثر، كأن يقول في مقامات ترك الكرامات:

ترك الكرامة لا يكون دليلا

فأصخ لقولي فهو أقوم قيلا

إن الكرامة قد يكون وجودها

حظ المكرم ثم ساء سبيلا

فاحرص على العلم الذي كلفته

لا تتخذ غير الإله بديلا

ستر الكرامة واجب متحقق

عند الرجال فلا تكن مخذولا

وظهورها في المرسلين فريضة

وبها تنزل وحيه تنزيلا

وفي سائر مصنفات ابن عربي نرى أشكالا من النظم، كالذي نراه في مطلع كتاب (مواقع النجوم) إذ يقول من منظومة بلغت سبعة وأربعين بيتا:

فكنه علما وكنه حالا

مع رائح إن أتي وغادي

فكنه وصفا ولا تكنه

ذاتا فعين المحال بادي

ولا تكن ذا هوى وحب

فيه فقلب المحب صادي

من بات ذا لوعة محبا

شكا لها حرقة الفؤاد

وانظر بعين الفراق أيضا

فيه ترى حكمة البعاد

فحكمة الضد لا يراها

سوى حكيم لها وشادي

وأغلب منظومات ابن عربي ترمي إلى مقاصد مستورة بحيث يمكن أن تضاف إلى الرمزيات.

3

| منظومات اليافعي

مؤلفات اليافعي

اليافعي هو عفيف الدين عبد الله بن أسعد المتوفى سنة 768، وهو رجل شغل نفسه بالتصوف والتاريخ، ومؤلفاته الصوفية تعد من المراجع، وفيها أدب وذوق، وكان فيما يظهر من الذين ذاقوا معاني القوم؛ ولذلك نجد في كتبه نفحة روحانية قد لا نجدها عند سواه، وأشهر مؤلفاته كتاب (روض الرياحين في مناقب الصالحين) وهو كتاب يفيض بأخبار الكرامات، وهو من هذه الناحية كتاب ضعيف؛ لأنه يضيف المؤلف إلى طائفة المغفلين الذين يصدقون كل شيء، ولكنه مهم جدا، لما فيه من الأخبار الصوفية التي تنفع من يهمه أن يعرف شمائل أولئك الناس.

والكتاب الذي اعتمدنا عليه في تحرير هذا الفصل هو كتاب (نشر المحاسن الغالية، في فضل أصحاب المقامات العالية)، وهو كتاب ممتع؛ لأنه شرح الأحوال والمقامات بأسلوب جميل؛ ولأنه دون فيه أكثر ما أنشأ من المنظومات الصوفية.

منظوماته الرمزية

ومنظومات اليافعي فن وسط، فلا هي بالشعر المطبوع، ولا هي بالنظم المتكلف، وهي في جميع أحوالها من أثر الصدق؛ ولذلك نغتفر ما يقع فيها من الشطط في بعض الأحوال.

وأظهر فنون اليافعي في منظوماته هو الشعر الرمزي، ونريد به ما تجري فيه الصبابة على الأساليب الحسية، وهي في ذاتها معنوية، كأن يقول:

سلا عن حمى سلمى وعن أهله الغر

عسى خبر يلقاكما طيب الذكر

يجيء به من نحوها عذب منطق

يفوح به من ريحها طيب النشر

يخبر عن سلمى وعن ذلك الحمى

وقول لسان الحال في نظمه الدري

رعى الله عهدا مر مع جيرة الحمى

يباهي رياضا ناضرات به زهر

1

سقتنا بها سلمى من الراح عند ما

بدت فأضاء الكون من جانب الخدر

أماطت حجابا عن بهاء جمالها

فهمنا سكارى في المهامه والقفر

نروم التسلي عن هواها ببعدنا

وكل جمال في الوجود بها يغري

خليلي ما سلمى ونجد وما الحمى

وما راحها ما كأسها ما الهوى العذري

شربنا حميا الكأس في قدس حضرة

وأكرم بها في حضرة القدس من خمر

لنا عصرت من كرم نور جمال من

سقانا وقد غبنا وحرنا فما ندري

سكرنا بها من شمها قبل شربها

نشاوي برياها إلى آخر الدهر

أو السكر ذا من رؤية الكاس أو أتت

به رؤية الساقي إلينا ذوي السكر

تجلى بأوصاف الجمال فشاهدت

عيون قلوب ما به حار ذو الفكر

فيا ليلة فيها السعادات والمنى

لقد صغرت في جنبها ليلة القدر

فلما شربنا الراح في ساعة الرضا

أتانا أغر السعد بالخلع الخضر

رسول عنايات برسم ولاية

وتصريفنا في الملك في البر والبحر

وضاءت لنا أنوار غيب وشوهدت

أمور وأعلمنا بها أنها تجري

وحلت بوادي طور قلب معارف

زهت فيه كم حسناء في داخل الخدر

وكم حكم تجلى ملاح كأنها

عرائس أبكار على منطق الدر

وكم يدفع الله البلايا بسادة

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٧٨