تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن بين الضلوع داء دفينا

كل أمر الدنا حقير يسير

غير أن يفقد القرين القرينا

ثم جد لي بدمع عينيك بالله

وكن لي على البكاء معينا

فسأبكي الدماء فضلا عن الدم

ع ويوم الفراق أبكي العيونا

1

ولهذا الحديث نظائر كثيرة في كتب الصوفية. وهو يشهد بأنهم كانوا ينقلون الصبوات الحسية إلى الأغراض الروحية.

ثم اندفع أدباء الصوفية فنظموا بأنفسهم أشعارا كثيرة تشرح ما يعانون من خطرات القلوب. وأكثر ما أجادوه وصف أخلاق الرجال، كالذي يقول:

أنت بالصدق قد خبرت رجالا

قد أطالوا البكا إذا الليل طالا

وملأت القلوب منهم بنور

في نفيس اليقين يا من تعالى

وتوليتهم وكنت دليلا

وكسوت الجميع منهم جمالا

فإذا ما الظلام جن عليهم

وصلوا بالكلال منهم كلالا

عفروا بالتراب منهم وجوها

ذاك لله خشية وابتهالا

هجرت للمنام منهم عيون

فاستطار المنام عنهم فزالا

إنما لذة البكاء لمريد

أسلم الأهل للديار وجالا

خاضعا باكيا حزينا ينادي

يا كريما إذا استقيل أقالا

ويستطيع القارئ الرجوع إلى كتاب نشر المحاسن الغالية ففيه شواهد كثيرة من منظومات الصوفية تبين كيف حاولوا تقييد أكثر المقامات والأحوال.

2

ونريد هنا أن نمر مسرعين على بعض الآثار التي حاول أهلها تقعيد التصوف على نحو ما صنع ناظمو المتون في أكثر الفنون.

والذين سنتحدث عنهم في هذا الباب لهم خصائص شعرية تغاير الخصائص المعروفة عند شعراء الوجدان من الصوفية أمثال ابن الفارض والشبلي والحلاج وهم جماعة من كبار الأدباء حاولوا تقعيد التصوف فوصلوا إلى غاية من النجاح لا يمكن إغفالها في مثل هذا الكتاب.

وليتذكر القارئ أننا لا نريد الاستقصاء؛ لأن هذا الباب وحده يحتاج إلى فصول طوال، وإنما نريد فقط أن ندل على ناحية أدبية شغلت جماهير المريدين حينا من الزمان.

وما أنكر أن بعض المنظومات يغلب عليها الضعف ولكن هذا لا يمنع من وضعها في الميزان؛ لأن الأدب يؤرخ فيه القوي والضعيف، وهو في جميع أحواله يصور تطور المشاعر والأذواق.

3

| منظومات ابن عربي

أنواع النظم عند ابن عربي

لقد سبق الكلام على ابن عربي ومكانته في الأدب والتصوف، ولكن له مكان آخر نفصله الآن، ذلك بأن ابن عربي كان من المولعين بتقعيد التصوف، والنظم فيه، على نحو ما يفعل ناظمو المتون، ومنظومات ابن عربي من طلائع هذا الفن الذي سيكمل في القرن الثالث عشر على لسان حسن رضوان.

والمنظومات التي نعنيها في هذا الفصل هي فن آخر يخالف ما ورد في ديوان ابن عربي وما ورد في كتاب ترجمان الأشواق، هي فن وسط بين الشعر والنظم، ولكنها على كل حال وضعت لغرض خاص هو تقعيد التصوف.

وأهم مرجع لمنظومات ابن عربي هو كتاب الفتوحات المكية.

1

والمنظومات فيه ترد منسجمة مع الأبواب: فأبواب الكتاب هي الأصل، والمنظومات توابع، على خلاف المعروف في المتون، حيث يكون النظم أصلا وتكون الشروح توابع.

وقد يجعل النظم أصل الباب، كالذي وقع في الباب التاسع والخمسين وخمس مئة في معرفة أسرار وحقائق من منازل مختلفة، فإنه استهله بهذه الأبيات:

لله في خلقه نذير

يعلمهم أنه البشير

وهو السراج الذي سناه

يبهر ألبابنا المنير

2

في كل عصر له شخيص

تجري بأنفاسه الدهور

عينه في الوجود فردا

الواحد العالم البصير

يا واحدا مجده تعالى

ليس له في الورى نظير

ليس لأنواره ظهور

إلا بنا إذ لنا الظهور

فنحن مجلى لكل شيء

يظهر في عينه الأمور

وهذه القطعة تشير إلى نظرية وحدة الوجود.

وفي أغلب الأحوال يأتي النظم في ثنايا الأبواب، كأن يشير إلى الألفة بين العبد والرب فيقول:

كلما قلت: سيدي

قال لي: أنت مالكي

سد والله كون عب

دي علي مسالكي

ما لنا عنه صارف

في جميع المدارك

لست في عينه ولا

فعله بالمشارك

فهو المالك الذي

ليس يدعى بمالك

وأنا الخادم الذي

يعتني بالممالك

قلت: يا رب عصمة

من سبيل المهالك

قال: سمعا فأنت عب

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٧٧