تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم تقدمت أساليب الوقاية وبلغ سكان مصر ستة عشر مليونا، فما مكانهم اليوم في دنيا الناس؟

لقد أثبت الكشف الطبي أن نحو ثمانين في المئة من السكان يعيشون عيشا صوريا؛ لأنهم صرعى البول الدموي وديدان الأمعاء.

ومن أجل ذلك صار من الصعب أن تتمتع مصر بالحيوية التي كانت تتمتع بها منذ مئة سنة أو منذ عهد الفراعين.

فإن قلتم: إن الأنظمة الحديثة نفعت مصر فأنتم تهيمون في بيداء الخيال.

والتقدم الفكري والعقلي هو السبب في انحطاط الأمم القوية، فألمانيا انهزمت في الحرب العالمية بفضل حذلقة أبنائها النوابغ!

وفرنسا لن تصلح للكفاح العنيف بعد اليوم؛ لأن كل فرد من فرنسا يرى من حقه بفضل شيوع التعليم أن يعلل ويحلل كل ما يعرض له من الآراء، والجندي المتفلسف لا ينفع.

والحرية الصحفية في مصر ستجعل مصر آخر الشعوب التي تصلح للنضال، فكل صحفي وإن صغر قدره سيضع الحرب موضع الجدل والخلاف، ولا قيمة للمحارب المرتاب.

حدثوني ماذا استفدنا من العلم والمدنية فما أرى هذه الألاعيب إلا مزالق وأحابيل؟

والجيلاني يؤمن بالجنة والنار، ولكنه لا يرى أهل النار في عذاب، وهو يؤكد أن أهل الجحيم يتلذذون كما يتلذذ أهل النعيم.

وإنما كان الأمر كذلك؛ لأن «الشقاوة» عنده غرض مطلوب.

وما كانت الشقاوة مما يطلب العقلاء؛ وإنما اشتهوها لأنها السر في نهوض الحضارة والعمران، وستكون أعظم معضلة يوم يقوم الحساب، وبفضلها يسيطر الله ذو الجلال.

أما بعد فهذه توجيهات لآراء الجيلاني، وهي آراء تنكرها الشرائع والقوانين، والناس يتصورون أن القول بها يمضي بالإنسانية إلى معاطب الهلاك.

ولو عقلوا لعرفوا أنها أساس النظام في عالم الحيوان، وهو لم ينقرض في الغابات بسبب البغي والإثم والعدوان.

وأكاد أجزم بأن الإنسانية هي التي ستتعرض للهلاك بفضل ما خلقت من القوانين، فالأمن المطلق يحول الإنسان إلى مخلوق ضعيف؛ لأنه يصرفه عن الاستعداد للمكاره والخطوب.

بقي النص على ما في نظرية الجيلاني من المعاني الشعرية، فهي تروض الناس على الجذل والابتسام، وتشعرهم بأنهم في طاعاتهم وفي معاصيهم جنود أوفياء لرب العزة والجلال، وتوفر عليهم قتل أعصابهم بالندم على ما اقترفوا من ذنوب، والإغراق في الندم قد يقضي على النفوس بالتهدم والانحلال.

ولعل لهذه النظرية دخلا في شيوع بعض التقاليد: ففي صعيد مصر ولي اسمه (فرغل) يعتقد الناس أنه يفرح بالمعاصي، فيملئون ساحات مولده بمظاهر الإثم والفتون، وعند نصارى مصر قديس اسمه (أنبا شنوده) وهم يعتقدون أنه يبارك أهل الشهوات فيملئون ساحات مولده بمظاهر الفسوق، ولعل لهذا كله صلة بالأثر الذي يقول:

لو لم تذنبوا فتستغفروا لخلق الله قوما يذنبون فيستغفرون.

| المنظومات الصوفية

هذا بحث لو أطلناه طال: لأن الصوفية عاشوا دهرهم كله في ظلال الشعر والغناء، ولهم على النهضات الموسيقية فضل عظيم، وكانوا في أكثر أحوالهم يتمثلون بالأشعار فينقلونها من الصبوات الحسية إلى الأغراض الروحية، وشواهد ذلك تعد بالألوف، ويكفي أن نذكر ما وقع لأبي الحسن بن الصباغ وقد مر وقت الضحى ببساتين قوص فسمع حمامة على شجرة تغرد بصوت شجي فاستمع ثم تواجد، واستغرق وأنشد:

حمام الأراك ألا خبرينا

بمن تهتفين ومن تندبينا

فقد شق نوحك منا القلوب

فأزريت ويحك ماء معينا

تعالي نقم مأتما للفراق

ونندب أحبابنا الظاعنينا

وأسعد بالنوح كي تسعدي

فإن الحزين يواسي الحزينا

ثم بكى طويلا وأنشد:

أيبكي حمام الأيك من فقد إلفه

وأصبر عنه كيف ذاك يكون

وما لي لا أبكي وأندب ما مضى

وداء الهوى بين الضلوع دفين

وقد كان قلبي قبل حبك قاسيا

وإن دامت البلوى به سيلين

ألا هل على الشوق المبرح مسعد

وهل لي على الوجد الشديد معين

ثم خر مغشيا عليه فلما أفاق أنشد:

غنني في الفراق صوتا حزينا

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٧٦