إن أقوى العيون هي العيون التي رأت دقائق الخفايا في ألوان الصباحة والجمال.
إن أقوى القلوب هي القلوب التي واجهت سرائر الليل.
إن أعظم النفوس هي النفوس التي عاقرت كئوس الغل والحقد والحب والهيام.
إن أكبر العقول هي العقول التي اصطرعت في ميادين الشك واليقين.
حدثوني عن رجل واحد بين العظماء شهد تاريخه بأنه احترم العرف والقوانين والتقاليد.
إن الرجل العظيم هو الحوت الذي يسير كما يشاء، ومن سواه من الصغار هم صغار الأسماك التي تساير التيار لتقع في شباك الصيادين.
إن الظلم من أكبر الآثام، ولكنه يفتح عيون المظلومين إلى الثورة والجهاد.
وحب اللذات إثم، ولكنه يخلق فنونا كثيرة من الحضارة والرفاهية والترف.
والتحاسد مذموم ولكنه أصل المباريات والمنافسات، وهو السبب الأصيل لإيقاظ عزائم الأبطال.
والبغي إحدى الكبائر، ولكنه يدعو الباغين إلى الاعتصام بالقوة والجبروت.
والحرب أنفع للإنسانية من السلم، فبفضل الحرب عرفت وسائل وأساليب هي في ذاتها من عناصر الجمال في الوجود.
والجسم الإنساني يصور النضال بين الطاعة والعصيان، فهو محتل بجراثيم يبغي بعضها على بعض فإذا وقع الصلح بين تلك الجراثيم كان الموت.
والشر ينفع كل النفع، فهو الذي يحولنا من ناس إلى حكماء، وينقلنا من مراتع الحملان إلى مرابض الأسود.
وماذا غنمنا من سيادة الشرائع والقوانين؟
غنمنا العدل؟
وهو كذلك!
ولكن أي عدل؟ هو العدل الأعرج الذي سمح للضعفاء والمهازيل بأن يكونوا من قادة الشعوب!
ومتى تحقق العدل في دنيا الناس؟
إن الضعفاء لهم وسائل يدحرون بها الأقوياء.
فأسفل مخلوق يستطيع أن يكيد لأشرف مخلوق.
يستطيع المخلوق السافل الضعيف أن يزعم التفرد بحسن السيرة ومتانة الأخلاق؛ لأن ضعفه قضى بأن يكون آخر من يهم بالثورة على مأثور الأخلاق.
والحكام يعرفون أن نظام الحكم نظام دخيل في الحياة الإنسانية فهم يرضون عن الضعفاء؛ لأنهم لا يعرضونهم للقيل والقال، ويفرون من الأقوياء فرار الأجرب من بطش السليم: لأنهم يعرفون أن الأقوياء يدخلونهم في مضايق من حيوات القلوب والعقول.
وبفضل هذا العرف السخيف صار من عبارات المدح أن يقال: فلان من البيت إلى المسجد ومن المسجد إلى البيت.
وبفضل هذا العرف السخيف تقدم الضعفاء، وتخلف الأقوياء.
وبفضل تقدم الضعفاء وتخلف الأقوياء صار الشرقيون من المستعبدين.
وهل كان للشرق قوة إلا يوم صح لأنبيائه وزعمائه أن يروا لأنفسهم مزايا ليست لسائر الناس؟ وهل استطاع النبي محمد أن يستبيح من الزوجات ما لا يستبيح لأفراد أمته إلا وهو يرى أنه أقوى الرجال؟
وهل نزل الوحي في بلاد العرب إلا على رجل مشهود له بالقوة في كل شيء، حتى في النواحي الطبيعية؟
ما فضل الشرائع وما فضل القوانين إن لم تؤيدها القوة والجبروت؟
إن الناس يخدعون أنفسهم حين يحتمون وهم ضعفاء بسلطان الشرائع والقوانين.
قد تقولون: إن الأنظمة الإنسانية حولت مجاهيل الأرض إلى بساتين.
آمنت وصدقت!
ولكن حدثوني عن شرح هذه المعضلة، فقد هام في شعابها صوابي.
كان سكان مصر منذ مئة سنة لا يزيدون عن ثلاثة ملايين، ولكنهم في ذلك الوقت كانوا أقوياء، فقد استطاعوا أن يهددوا الإمبراطورية التركية، واستطاعوا أن يطردوا الإنجليز في موقعة رشيد، واستطاعوا التحفز لنصرة الأمة الفرنسية، واستطاع محمد علي بفضل جنود مصر أن يقول: إنه قريع نابليون .
فما الذي وقع بعد ذلك؟
كانت مصر تعيش على الجفاف فلا تعرف طغيان النيل غير مرة واحدة في كل سنة، وكان أهلها أصحاء لم يقهرهم البول الدموي ولا ديدان الأمعاء.
أستغفر العقل، فقد كان أهل مصر معرضين لأخطار الجراثيم التي تسبح في مياه النيل، فيموت من يموت ويعيش من يعيش، وكان العيش من نصيب الأقوياء الذين حمتهم قوتهم الطبيعية من فتك الجراثيم.