4
ومعنى ذلك أنه يرى عليا هو الصلة بين الله وبين الوجود.
ونسب إلى الحلاج أنه ادعى الربوبية، وقد نفى هذه التهمة عن نفسه، ولكننا لا نستبعدها عليه؛ لأنها تأتلف مع مذهبه كل الائتلاف؛ وكذلك نسب إليه أنه ادعى النبوة، وليس ذلك بغريب.
حدث الخطيب البغدادي بسنده قال: حضر عندنا بالدينور رجل ومعه مخلاة فما كان يفارقها بالليل ولا بالنهار ففتشوا المخلاة فوجدوا فيها كتابا للحلاج عنوانه: «من الرحمن الرحيم إلى فلان بن فلان».
فوجه الخطاب إلى بغداد وأحضر الحلاج وعرض عليه فقال: هذا خطي وأنا كتبته. فقالوا: كنت تدعي النبوة فصرت تدعي الربوبية! فقال: ما أدعي الربوبية، ولكن هذا عين الجمع عندنا، وهل الكاتب إلا الله، وأنا واليد فيه آلة.
5
وهذه لباقة في التخريج، والوجه الحق هو أن الحلاج يرى نفسه من صور علي أو من صور محمد. وعلي أو محمد. هو الموجد لسائر الموجودات.
هل اتفق للحلاج أن يدعي النبوة والربوبية؟
والأساطير تنطق الحلاج باسم المسيح، ولعلها لم تكن أساطير، فالمسيح هو الرب في نظر أتباعه من النصارى، والحلاج هو الرب في نظر مريديه من الصوفية، والقرآن يشهد بأن المسيح لم يصلب وإنما شبه لمن صلبوه. وأتباع الحلاج يقولون: إنه لم يصلب وإنما شبه لمن صلبوه.
6
والتاريخ يعيد نفسه في عالم العقائد وفي أوهام الناس.
هيام الحلاج في حب الله
والواقع أن الحلاج كان يؤمن بنظرية وحدة الوجود أو بنظرية الحلول، وأشعاره تشهد بذلك فهو يقول في خطاب بعض الأحباب:
كتبت، ولم أكتب إليك وإنما
كتبت إلى روحي بغير كتاب
وذلك أن الروح لا فرق بينها
وبين محبيها بفصل خطاب
فكل كتاب صادر منك وارد
إليك بما رد الجواب جوابي
أو يقول:
جبلت روحك في روحي كما
يجبل العنبر بالمسك الفتق
فإذا مسك شيء مسني
فإذا أنت أنا لا نفترق
أو يقول:
مزجت روحك في روحي كما
تمزج الخمرة بالماء الزلال
فإذا مسك شيء مسني
فإذا أنت أنا في كل حال
ومعنى ذلك أنه يقول بالوحدة بين المحب والمحبوب: فهو يجعل الصلة بينه وبين أصفيائه كالصلة بينه وبين واجب الوجود.
ندم الحلاج على إذاعة أسرار الحب
والواقع أيضا أن الحلاج أحب الله إلى حد الفناء، وقصته في حب الله قصة محزنة، فقد تنقل المسكين من أرض إلى أرض، وتشكل في مظهره ومخبره أشكالا مختلفات؛ فكان له في كل أرض حال، ومع كل قوم رأي، ولقي في سبيل محبوبه أفظع ضروب الشقاء.
قضى السنين الطوال وهو يشاهد طيف الحبيب، الحبيب الممنوع الذي يراه في كل موجود، ولا يظفر منه بشيء غير الوجد والحنين.
كان المسكين يحب حبيبا لا يدرك ولا ينال، كان يحب النور الذي يغشي الأبصار والقلوب، كان يحب الله، والله أكبر من أن يحب؛ لأنه فوق الأوهام والظنون.
وقد طالت محنة الحلاج في هواه، وظل يعاني ملامة العذال حتى استهدف للقتل.
ولما حكم بإهدار دمه آثر الاستخفاء، عساه يظفر بمناجاة حبيبه بضع سنين، ولقيه بعض أصفيائه وهو مستخف فبكى وأنشأ يقول:
متى سهرت عيني لغيرك أو بكت
فلا بلغت ما أملت وتمنت
وإن أضمرت نفسي سواك فلا رعت
رياض المنى من وجنتيك وجنت
إن قصة الحلاج مع ربه قصة نادرة الأمثال، وهي تغزو القلب بالحزن، والعيون بالدمع، وتفهم من لا يفهم أن الحب لا يعرف اللعب ولا المزاح.
ولو كان الحلاج بعيد العهد في التاريخ لقلنا: إن صلبه أسطورة من الأساطير كما قال قوم: إن صلب المسيح أسطورة من الأساطير، ولكن الحلاج قريب العهد وأخباره صحيحة الأسانيد، ولا يزال قبره قائما يزار في بغداد، وقد زرته فرأيته مهجورا كسائر قبور المحبين، وما أشقى المحبين في الحياة وبعد الممات!
كان الحلاج يتمنى أن يكون المحب عين المحبوب ليصح له أن يقول:
سبحان من أظهر ناسوته
سر سنا لاهوته الثاقب
ثم بدا في خلقه ظاهرا
في صورة الآكل والشارب
حتى لقد عاينه خلقه