تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| مصرع الحلاج

الحقيقة العيسوية والحقيقة المحمدية والحقيقة العلوية

فصلنا نظرية وحدة الوجود كل التفصيل، فلنقل كلمة عن أشهر ضحايا هذه النظرية وهو الحسين بن منصور الحلاج.

1

والحلاج (رضي الله عنه) يشبه المسيح عليه السلام من نواح كثيرة، منها كثرة السياحات، وقوة التنسك، وكثرة الأتباع، وبشاعة المصير إلى الصلب.

والتشابه بين المسيح والحلاج قوي جدا من الناحية العقلية، فالمسيح كان يقول بوحدة الوجود، كما قال الحلاج بوحدة الوجود.

ونسارع فنقرر أننا لا نفكر في معارضة النظرية القرآنية التي تبرئ المسيح من القول: بأنه ابن الله، فالقرآن يريد أن يضع المسيح في أحسن الأحوال التي ترتضيها النظرية الإسلامية، وهي تفرق بين الله وبين العباد، وتفصل بين الرب وبين المربوب.

إن تقرير القرآن لعقيدة المسيح لا يمنع من أن ننظر إليه نظرة فلسفية بعد التأمل في النظرية النصرانية، وهي نظرية نرفضها تأدبا بأدب القرآن، ولكننا نستبيح درسها لنشرح بها فرضا من الفروض الفلسفية.

تشيع الحلاج

يجمع النصارى على أن المسيح قال: إنه ابن الله، ولهم في تفسير هذه العبارة مذاهب، فالعوام رأوها عبارة حقيقية، والخواص رأوها عبارة مجازية.

وأظرف تفسير هو ما ارتضاه رينان

Renan

في كتابه «حياة يسوع»

La Vie de Jésus ، وهو يقول: إن ذلك تصوير للعطف بين الرب والمربوب، يعني أن الله ينظر إلى عيسى كما ينظر الأب الرحيم إلى ابنه الغالي.

وعبارة «أنا ابن الله» عبارة تستحق الدرس، فإن لم تكن من قول المسيح فقد قال بها أتباع المسيح.

فما المراد بهذه العبارة من الوجهة الفلسفية؟

أنا أظن - وبعض الظن إثم وبعضه غير إثم - أن هذه العبارة تشبه ما سماه الصوفية بالحقيقة المحمدية، والحقيقة المحمدية هي العماد الذي قامت عليه (قبة الوجود) كما عبر ابن عربي، هي صلة الوصل بين الله والناس، فهي القوة المدبرة التي يصدر عنها كل شيء.

وعلى ذلك تكون نظرية الحقيقة المحمدية عند غلاة الصوفية مأخوذة من أصول نصرانية.

فعيسى هو ابن الله، ومعنى ذلك فيما أفترض أنه الصلة بين الله وبين الوجود.

ومحمد هو أول التعينات، وليس فوقه إلا الذات الأحدية، كما لم يكن فوق عيسى إلا الأب، أي: الله.

والنصارى يتمثلون الله حين يخاطبون عيسى، فلولا عيسى لانعدم الوجود.

والصوفية يتمثلون الله حين يخاطبون محمدا، فلولا محمد لانعدم الوجود.

وعيسى هو ابن الله، ولكنه يتمثل في صورة بشرية، أو هو الموجد في صورة بشرية.

ومحمد هو سر الله، ولكنه يتمثل في صورة بشرية، أو هو الموجد في صورة بشرية.

فعيسى لولاه لانعدمت الصلة بين الله وبين الوجود فانعدم الوجود.

ومحمد:

لولاه ما كان أرض لا ولا أفق

ولا زمان ولا خلق ولا جيل

وعيسى هو «الكلمة» وأتباعه من الرسل الذين بلغوا دعوته كلمات.

ومحمد عند الصوفية هو «الكلمة» وجميع الأنبياء كلمات.

وبعض أتباع عيسى لهم خصوصية.

وبعض أتباع محمد لهم خصوصية، كالذي يراه الشيعة في علي بن أبي طالب.

وربما كان «الأئمة» من أتباع على صورة من الرسل الذين بلغوا رسالة عيسى.

2

والمسيحيون يسمون «عبد المسيح» وجمهور المسلمين يسمون «عبد الرسول» ومن الشيعة من يسمي «عبد الأمير» أو «عبد الأئمة» أو «عبد الحسين».

ومن هذا يرى القارئ أن بعض النظريات الصوفية أو الشيعية لها أصول نصرانية. ولا غضاضة في ذلك: فالآراء الفلسفية يتسلسل بعضها عن بعض، وتنتقل من صورة إلى صورة وإن لم يفطن لها التاريخ.

3

الرسل والأئمة والنقباء

وهذا الكلام يبدو جافيا لمن يراه أول مرة، ولكن عند التأمل نرى الحلاج كان في جوهر سره شيعيا، وكان يعتقد بالحقيقة «العلوية» في مكان الحقيقة «المحمدية». وقد وجد في بعض رسائله إلى أحد مريديه «صورة فيها اسم الله تعالى مكتوب على تعويج، وفي داخل ذلك التعويج مكتوب علي عليه السلام».

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٧١