تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كلحظة الحاجب بالحاجب

ولكن متى صح أن يكون المحب عين المحبوب؟

إن للحب شريعة باقية على الزمان، وهي شريعة مسطورة على جدران الوجود، وفيها كلمات صريحة عن مصاير المحبين، وهي تعلن أن المحب لن يكون أبدا من السعداء.

كانت للحلاج مطامع فيمن يحب، فلما أخرج من سجنه ليقتل عرف أنه كان مخبول المطامع، وأنشد:

طلبت المستقر بكل أرض

فلم أر لي بأرض مستقرا

أطعت مطامعي فاستعبدتني

ولو أني قنعت لكنت حرا

ثم طافت بنفسه أطياف هواه، وأطياف بلواه في هواه، فصاح:

نديمي غير منسوب

إلى شيء من الحيف

سقاني مثل ما يشرب

فعل الحر بالضيف

فلما دارت الكأس

دعا بالنطع والسيف

كذا من يشرب الرا

ح مع التنين في الصيف

وبذلك اعترف الحلاج أنه جهل قدر نفسه حين استجاز أن يكون نديما لذلك المحبوب القهار الذي أغرق الأولين والآخرين في لجج من الهدى والضلال.

سيرورة اسم الحلاج في بقاع الأرض

وكانت هذه النكبة كافية لأن يصدف المحب عمن يحب، ولكن الحلاج كان من الأوفياء، فتشبث بمحبوبه وهو يقول:

يا معين الفناء علي، أعني على الفناء.

وقد استجاب المحبوب لهذه الدعوة فرحم المحب من قسوة الفناء، وكذلك بقيت ذكرى الحلاج على الزمان، بقيت ذكرى الحلاج المصلوب، كما بقيت ذكرى المسيح المصلوب، والحياة الحق هي الحياة بعد الموت.

7

أخطأ الحلاج في حبه خطأ لا يقبل الغفران، فقد فضح أسرار الحب كما فضح المسيح أسرار الحب، ولو كتم أسرار هواه لنجا من القتل.

مضى الغافل يتحدث عن هواه في كل أرض، ويصرح بأنه صار عين المحبوب، ولو عقل لعرف أن المحبوب يؤذيه أن يتحدث بهواه من يهواه.

أما بعد فلم يكن من همنا أن نكتب ترجمة مفصلة للحلاج فقد سبقنا إلى ذلك أستاذنا المسيو ماسينيون في كتاب نشره بالفرنسية منذ أعوام طوال، وقد شغل نفسه بتعليقات مهمة على كتاب الطواسين، ومضى فتحدث عن أخباره في كثير من المجلات، وإنما أردنا أن نبرز صورة الحلاج من الوجهة الأدبية، وأن نبين كيف استشهد في سبيل القول بوحدة الوجود.

وربما جاز أن نقول: إن في هذا الفصل القصير معاني لم يلتفت إليها أستاذنا ماسينيون.

لا تسألوني عما أودعت في هذا الفصل من المعاني، فأنا أحب أن أكون أعقل من الحلاج، وإن كنت أصغر من الحلاج.

| صراحة الجيلاني

هل العاصي والمطيع أمام الحق سواء؟

عبد الكريم الجيلاني من أعلام الصوفية، توفي نحو سنة 820 وأهل بغداد يسمونه الجيلي، وله هناك ضريح نبهني إليه الأستاذ عباس العزاوي ولم أسأل عن منزلته في أذهان الناس، وأغلب الظن أنهم ينظرون إليه كما ينظرون إلى ضريح الحلاج.

ترك الجيلاني كتابا يفيض بالوساوس اسمه: «الإنسان الكامل، في معرفة الأواخر والأوائل».

ولم نقل: بأن محصول ذلك الكتاب من الوساوس إلا مجاراة لأهل الشريعة، أما أهل الحقيقة فيرون محصوله من الحقائق.

ومحصول هذا الكتاب هو تلخيص ما يجب أن يعرف المريد من ألوان الثقافة الصوفية، فهو يحدثه عن أدق المشكلات بأسلوب واضح صريح، إلا حين توجب السياسة أن يؤثر الغموض، ويقدم إليه ما يجب أن يعرف من أصول العقائد والمذاهب، وقد ينظم آراءه ثم يشرحها كما يصنع ابن عربي. ولكن نظمه في الأغلب أرك وأضعف.

وهو يستعين الفلسفة اليونانية من حين إلى حين، كما يفعل ابن عربي، ويؤمن كما يؤمن بأن الأولياء أفضل من الأنبياء.

1

ضريح الجيلي في بغداد، والجيلي هو أشهر من فطنوا لمغزى القول بوحدة الوجود.

وما نريد في هذا الفصل أن نلخص آراء الجيلاني فقد سبقنا إلى ذلك لمستر نيكلوسن،

2

وإنما يهمنا أن نقف عند نقطة شائكة دار حولها القائلون بوحدة الوجود، ولم يصرحوا فيها برأي قاطع خوفا من ثورة الجماهير الإسلامية.

ولتوضيح ذلك نقول:

كانت أكبر عقبة تعترض القائلين بوحدة الوجود هي مشكلة الثواب والعقاب، وقد درسنا هذه المشكلة من قبل، وبينا ما فيها من تهافت وضعف، فلنذكر الآن أن الجيلاني يقتلع هذه المشكلة من الأساس، ويراها ضربا من الأوهام والظنون، وهو بكل صراحة يرى الناس جميعا مهتدين: في أحوال الطاعة وفي أحوال العصيان.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٧٣