وهنا عبارة مريبة وهي قوله: بأن غاية الخلق التخلص من المزجة فيعرف كل عالم حظه من منشئة بغير امتزاج.
فما سر هذه العبارة؟ أيكون معناها أن العالم كان في ضمير الحق على نحو ما تكون الأشجار البواسق في ضمائر البذور؟
إن ابن عربي يكاد يفصح عن ذلك حين يقول:
كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان، لم يرجع إليه من إيجاده العالم صفة ما لم يكن عليها، بل كان موصوفا لنفسه ومسمى قبل خلقه بالأسماء التي يدعوه بها خلقه، فلما أراد وجود العالم وبدءه على حد ما علمه بعلمه بنفسه انفعل عن تلك الإرادة المقدسة بضرب تجل من تجليات التنزيه إلى الحقيقة الكلية، حقيقة تسمى الهباء، هي بمنزلة طرح البناء الجص ليفتح فيه ما شاء من الأشكال والصور، وهذا هو أول موجود في العالم ... ثم إنه سبحانه وتعالى تجلى بنوره إلى ذلك الهباء، ويسميه أصحاب الأفكار بهيولي الكل، والعالم كله فيه بالقوة والصلاحية، فقبل منه تعالى كل شيء في ذلك الهباء على حسب قوته واستعداده كقبول زوايا البيت نور السراج.
43
ومن هذه الفقرة نفهم أن ابن عربي متأثر كل التأثر بمذاهب الحكماء، ونعرف أنه بعيد عن بساطة التوحيد كل البعد، ونفهم أنه يضمر القول: بوحدة الوجود.
44
النابلسي والشعراني والقاشاني
بقي أن ننص على أن هذه المناورات التي اصطنعها محيي الدين كان لها أثر بليغ في عمق الثقافة الصوفية، فلو أن هذا الرجل كان أفصح عن غرضه بمثل ما أفصح الحلاج لشفى الناس صدورهم منه بالقتل، ولكنه حين آثر الرموز والإشارات فتح الباب أمام الدارسين من الصوفية والفقهاء فكانت كتبه مبعث نهضة أدبية قليلة الأمثال، وهذا بيت القصيد: فإن تصوف ابن عربي كان بليغ الأثر في حياة الأدب وحياة الأخلاق، ومن أجل هذا صح أن تكون له منزلة عظيمة في بناء هذا الكتاب.
إن ابن عربي لا تعرف أهميته في عالم الأدب والأخلاق إلا إذا فكرنا جيدا فيما ترك من الثروة الأدبية والأخلاقية، يجب أن نتذكر أنه ترك ألوف الصفحات ومئات القصائد، وأنه راض اللغة على الطواعية للرموز والإشارات، وأنه علم الناس كيف يخوضون في أخطر الأحاديث ثم يسلمون، وأنه هضم ما درس من الفلسفة اليونانية ومن أصول الديانة اليهودية والديانة النصرانية والديانة الإسلامية، ثم أحال ذلك كله إلى مزاج من الفكر الفلسفي الدقيق يعز على من رامه ويطول.
ويجب أن نتذكر خطر المؤلفات التي صنفت في الرد عليه، أو الدفاع عنه، فتلك حركة فكرية لا يمكن إغفالها عند تقويم أثر ذلك الباحث الجليل.
جامع الشعراني بالقاهرة، والشعراني أشهر من ألف في التصوف بين المصريين.
تأثير ابن عربي في البيئات النصرانية
ولا يتسع المجال لبيان أثر ابن عربي فيمن جاء بعده من المفكرين، ولكن لا بد من الإشارة إلى شخصيات ثلاث كان له عليها فضل أي فضل.
الأولى شخصية عبد الغني النابلسي، وسنتحدث عن أشعاره الصوفية، وابن عربي له أثر بليغ في تكوين هذه الشخصية، وإن كان النابلسي في ذاته أضعف من أن يدرك ابن عربي تمام الإدراك.
والحق أن النابلسي مدين للعصر الذي نشأ فيه، فقد كان عصر انحطاط يستكثر فيه القليل، ولولا ذلك ما أمكن أن يلتفت إليه الناس.
الشخصية الثانية شخصية الشعراني، وهي شخصية جذابة كان لها في مصر مقام ملحوظ.
ولد الشعراني في قلقشندة سنة 898، ونشأ بساقية أبي شعرة، وهي بلدة قريبة من سنتريس، وإلى ساقية أبي شعرة ينسب الشعراني، ثم تفقه على علماء القاهرة. وشغل نفسه بالتصوف ففتن فتنة عظيمة بأدب محيي الدين. وألف في شرح آرائه كتابا طريفا سماه «اليواقيت والجواهر: في بيان عقائد الأكابر» واختصر كتاب الفتوحات. وتوفي - رحمه الله - سنة 973.
والشعراني يحرص كل الحرص على تبرئة ابن عربي من فتنة القول: بوحدة الوجود أو بالحلول،