تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

39

فهذا الكلام هو القول بوحدة الوجود، وإن لم يعبر عنه باللفظة الاصطلاحية، فالحقيقة الكلية هي العالم وهي الحق (فإن قلت: إنها العالم صدقت، أو إنها ليست العالم صدقت، أو إنها الحق أو ليست الحق صدقت).

والقائلون: بوحدة الوجود يقولون: إنها لا تنافي أحدية الحق؛ لأن ما صدر عنه ليس إلا ضربا من التعينات، وهذه التعينات تتكثر وتتغير، ولكن الحق في أحديته لا يتكثر ولا يتغير، يقول القاشاني: «فإن تجلى في صورة أحديته الذاتية كان الله ولم يكن معه شيء وبطنت فيه الأعداد الغير المتناهية بطون النصفية والثلثية والربعية في الواحد، فإنها لا تظهر إلا بالعدد... وإن تجلى في صورة تعيناته ومراتب تجلياته أظهر الأعداد وأنشأ الأزواج، وتلك مراتب تنزلاته، وليس في الوجود إلا هو».

40

وقال ابن عربي:

فلولاه ولولانا

لما كان الذي كانا

أي: أننا جزء أصيل من الوجود، ولو ذهبنا لا نعدم الجزء الظاهر من الوجود، وظهوره لا ينفي أنه أصيل... ويقول ابن عربي أيضا في ختام الفصوص:

قال تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، أي: لا أظهر له إلا في صورة معتقده، فإن شاء أطلق وإن شاء قيد، فإله المعتقدات تأخذه الحدود فهو الإله الذي وسعه قلب عبده، فإن الإله المطلق لا يسعه شيء؛ لأنه عين الأشياء وعين نفسه، والشيء لا يقال فيه: يسع نفسه ولا يسعها.

ومعنى ذلك أن هناك إلهين - وهما إله واحد - الإله الأول إله المعتقدات، والإله الثاني هو المطلق ، والأول يسعه قلب العبد، والثاني لا يسعه شيء؛ لأنه عين نفسه وعين الأشياء.

وبقليل من التصرف نستطيع أن نحكم بأنه يقول: بوحدة الوجود ما دام الله عين الأشياء، وما دام العالم من الأشياء.

41

وقد بدا لابن عربي أن يفصل نشأة الخلق فقال:

بدء الخلق الهباء، وأول موجود فيه الحقيقة المحمدية الرحمانية الموصوفة بالاستواء على العرش الرحماني وهو العرش الإلهي ولا أن يحصرها لعدم التحيز. ومم وجد؟ وجد من الحقيقة المعلومة التي لا تتصف بالوجود ولا بالعدم. وفيم وجد؟ في الهباء. وعلى أي مثال وجد؟ على المثال القائم بنفس الحق المعبر عنه بالعلم به. ولم وجد؟ لإظهار الحقائق الإلهية. وما غايته؟ التخلص من المزجة فيعرف كل عالم حظه من منشئه من غير امتزاج، فغايته إظهار حقائقه ومعرفة أفلاك العالم الأكبر وهو ما عدا الإنسان، والعالم الأصغر يعني الإنسان روح العالم وعلته وسببه وأفلاكه ومقاماته وحركاته وتفصيل طبقاته ... فكما أن الإنسان عالم صغير من طريق الجسم كذلك هو أيضا إله حقير من طريق الحدوث؛ وصح له التأله لأنه خليفة الله في العالم. والعالم مسخر له مألوه، كما أن الإنسان مألوه لله.

42

والحقيقة المحمدية هذه مدهشة؛ لأنه يرد إليها كل شيء، فهي الموصوفة بالاستواء على العرش الرحماني، وهي لا تتحيز فلا يحصرها أين، ومفهوم جدا أن هذه حالة إلهية، والإنسان إله ومألوه في وقت واحد؛ هو إله لأنه يتصرف في الكون؛ وهو مألوه لأنه نشأ عن الحق: أي: أن له درجتين، درجة العبودية ودرجة الألوهية، أفيكون هذا كل شيئا غير القول بوحدة الوجود؟

إن القائلين بوحدة الوجود ليسوا من الحمق بحيث يتصورون أن النسبة واحدة بين جميع الموجودات، ولا مفر لهم من الاعتراف بأن الحقائق تختلف، وأن بعض الموجودات أعظم من بعض، والمجذوب الذي وقف وقال: «أنا الله» لم يكن يفهم إلا أنه جزء من الحقيقة الأبدية التي لا تتصور بغير ما نشهد من الوجود.

وخلاصة القول: أن ابن عربي لا يعرف النظرية البسيطة نظرية التوحيد التي تقضي بأن الله منفصل كل الانفصال عن العالم، وأن نسبة العالم إليه هي النسبة بين «كن فيكون» ابن عربي لا يعرف الأحدية الذاتية إلا عن طريق الفرض، أي: حين يغض بصره فلا يرى الوجود، ولكنه حين يشهد العالم يقسمه إلى طبقات بعضها معلول لبعض، ويجعل الحقيقة المحمدية أصل ما في الوجود.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاق · الصفحة ٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التَّصوف الإسلامي في الأدب والأخلاقص ٦٧