45
وهو يصر إصرارا جازما على أن مؤلفات ابن عربي أضيفت إليها زيادات أراد بها الدساسون تشويه سمعته في العالم الإسلامي.
والذي نراه أن الشعراني أسرف بعض الإسراف حين جعل ابن عربي من أهل السنة والجماعة، وحين نفى عنه ما يصدر عن مثله من الشطحات الصوفية، ولكن إسراف الشعراني مقبول؛ لأنه صدر عن إخلاص.
46
الشخصية الثالثة شخصية القاشاني شارح الفصوص المتوفى سنة 887، وهذا الرجل يختلف عن الشعراني كل الاختلاف، فهو يفهم أن ابن عربي يقول: بوحدة الوجود، وهو يشرح الفصوص على هذا الأساس. وشرح القاشاني يستحق الدرس؛ لأن مؤلفه من المفكرين؛ ولأن فيه حقائق لا يطوف بها إلا قليل من العقول.
ولنذكر على سبيل المثال ميلاد عيسى عليه السلام، فإن القاشاني يكاد يجعله ميلادا طبيعيا ويوافق ابن عربي في أن جسم عيسى خلق من ماء محقق من مريم وماء متوهم من جبريل سرى في رطوبة ذلك النفخ، ويقرر أن جبريل لما دنا من مريم في صورة البشر تحركت شهوتها بحكم البشرية؛ لأن أكثر هيجان الشهوة في النساء وقت النقاء من الحيض، وكان انتباذها للاغتسال وقت انقطاع الدم، وكان الوقت وقت غلبة الشهوة ففرحت بدنو هذا الشاب المليح فاحتلمت وجرى ماؤها مع النفخ إلى الرحم النقي الطاهر فعلقت، وخلق عيسى من ماء محقق من مريم وماء متوهم متخيل من نفخ جبريل؛ لأن النفخ من الحيوان رطب فيه أجزاء لطيفة مائية بالفعل مع أجزاء هوائية سريعة المصير إلى الماء.
ثم يقول:
وأما كون عيسى على صورة البشر فلانتسابه إلى أمه ولتمثل جبريل في صورة البشر السوي، فكان تكونه على السنة المعتادة والحكمة المتعارفة؛ ولأن أشرف الصور هي الصورة الإنسانية المخلوقة على صورة الله تعالى المكرمة عند الله؛ ولأن الله لا يتجلى في الحضرات الإيجادية إلا في صورة النوع الذي يوجده؛ ولهذا لما خمر طينة آدم بيده أربعين صباحا كان متجليا في صورة إنسانية.
47
وبقليل من التأمل نفهم أنه يكاد يصرح بالامتزاج بين الطبيعة الإنسانية والطبيعة الإلهية، وذلك هو القول بوحدة الوجود.
وجملة الأمر أن القاشاني يساير ابن عربي مسايرة تامة، ابن عربي الذي يعرفه هو، لا ابن عربي الذي يعرفه الشعراني، فإن الفرق بين الشخصيتين بعيد.
تأثيره في الجيل الحديث
ولكن هل وقف تأثير ابن عربي عند البيئات الإسلامية؟
لا، فقد سرى روحه إلى البيئات المسيحية ولون أفكارها بعض التلوين.
ويؤكد بعض المستشرقين أن دانتي تأثر بابن عربي حين نظم الكوميديا الإلهية، وأن معظم ما جاء به دانتي كان ألفه ابن عربي من قبل، وأن الرجلين يتشابهان في الصور والأمثال والاصطلاحات والأساليب الفنية. ومن المعقول أن يتفق اثنان في فكرة عامة، فهذا من توارد الخواطر، أما اتفاق اثنين في الفكرة والصورة فأمر لا يفسر إلا بالنقل أو المحاكاة. «فالله عند كليهما (نور)؛ ولذلك فكل منهما يستعمل الانعكاس والشعاع والبروق والنورانية للتعبير عن مراده. و(تجلي) هذا النور موصوف بنفس التشابيه والمجازات. كما أن مثل الدائرة ومركزها لإظهار علاقة الخلق بالخالق ومثل المرآة كعلاقة للحقير مع العظيم التي استعملها ابن عربي كثيرا ما نراهما في الكوميديا الإلهية».
48
وقد نسج دانتي على منوال ابن عربي في خواص الأرقام، وقد خصها ابن عربي في الفتوحات بفصول طوال. وتفسير الأحلام على الطريقة الصوفية نقله دانتي عن ابن عربي، فقد رأى دانتي ربه في منامه على هيئة شاب جميل في ثياب بيض، وابن عربي تجسد له ربه كما تجسد جبريل للرسول، وإن كان يجعل ذلك من صنعة الخيال فيقول:
ولقد بلغ بي قوة الخيال أن كان حبي يجسد لي محبوبي من خارج عيني كما كان يتجسد جبريل لرسول الله
صلى الله عليه وسلم
فلا أقدر أنظر إليه، ويخاطبني وأصغي إليه وأفهم عنه. ولقد تركني أياما لا أسيغ طعاما، كلما قدمت إلي المائدة يقف على حرفها وينظر إلي ويقول لي بلسان أسمعه بأذني: أتأكل وأنت تشاهدني؟ فأمتنع من الطعام ولا أجد جوعا، وأمتلئ منه حتى سمنت وثملت من نظري إليه، فقام لي مقام الغذاء، وكان أصحابي وأهل بيتي يتعجبون من سمني مع عدم الغذاء؛ لأني كنت أبقى الأيام الكثيرة ولا أذوق ذواقا ولا أجد جوعا ولا عطشا، لكنه كان لا يبرح نصب عيني في قيامي وقعودي وحركتي وسكوني.